عاجل

نهاية حقبة «الكدادة».. الهيئة العامة للنقل تغلق ملف المناداة العشوائية بعد 60 عاماً

تنظيم الهيئة العامة للنقل لمهنة «الكدادة» يحد من الفوضى ويضمن سلامة الركاب في ظل نمو خدمات النقل الرقمي

صورة توضح «الكدادون» وهم يهمسون أمام مركباتهم بعد فرض التنظيمات الجديدة للنقل البري في المملكة

أعلنت الهيئة العامة للنقل إغلاق ملف «الكدادة» بعد عقود من الارتباط بها في الشوارع والمطارات، حيث حظرت المناداة العشوائية والنقل دون ترخيص، وفرضت عقوبات تصل إلى 20 ألف ريال مع حجز المركبة، في خطوة تهدف إلى تنظيم القطاع وضمان جودة الخدمات.

تاريخ مهنة «الكدادة».. من المناداة الصاخبة إلى الهمس الخفيض

منذ عقود، ارتبطت الشوارع والمطارات السعودية بصوت «الكدادة» المرتفع وهم ينادون على الركاب بعبارات مثل «واحد نفر.. جدة.. الرياض.. الدمام»، في مشهد لطالما ميز المشهد الحضري. لكن مع دخول السيارات الخاصة وانتشار تطبيقات النقل الذكي، تراجع هذا الصوت تدريجياً، ليحل محله همس خفيض في ظل التنظيمات الجديدة التي فرضتها الهيئة العامة للنقل.

الهيئة العامة للنقل تغلق ملف «الكدادة»

أعلنت الهيئة العامة للنقل إغلاق ملف «الكدادة» بعد سنوات طويلة من الارتباط بها، حيث اعتبرت المناداة أو ممارسة النقل دون ترخيص مخالفة صريحة وفق النظام الجديد للنقل البري. وأشارت إلى أن العقوبات قد تصل إلى 20 ألف ريال مع حجز المركبة لمدة تصل إلى 60 يوماً، وقد تمتد إلى بيعها في مزاد علني. وجاء هذا القرار ليضع حداً لظاهرة كانت جزءاً من المشهد السعودي لسنوات طويلة.

اقرأ أيضاً:
ألم المرضى وأنينهم ثمن الإهمال الطبي

اختفاء الصوت.. من المناداة الصاخبة إلى التفاوض الهادئ

أفاد مراسل «عكاظ» الميداني باختفاء الأصوات المرتفعة التي كانت تميز «الكدادة»، حيث باتوا يهمسون أمام مركباتهم بنبرة منخفضة، سعيا لكسب الزبائن بهدوء انسجاماً مع التعليمات الجديدة. ورغم ذلك، لا يزال بعض «الكدادون» يمارسون المهنة في بعض المطارات والأسواق، لكنهم يتفادون المواجهة المباشرة مع مراقبي الهيئة، مكتفين بعبارات خفية مثل «مشوار يـ الطيب» أو «وش اسمك» لتجنب المساءلة.

تأثير التنظيمات على أسعار النقل

أكد عدد من «الكدادون» أن التنظيمات الجديدة رفعت أسعار النقل بنسبة تصل إلى 100% مقارنة بالفترة السابقة. فعلى سبيل المثال، تضاعفت أسعار الرحلة من جدة إلى الطائف، وزادت أكثر عند نقل راكب واحد. كما أشار البعض إلى أن التشديد في المطارات وحول القطارات دفعهم للعمل في مواقع أخرى تفادياً للعقوبات.

دور تطبيقات النقل الذكي في تغيير السوق

أوضح محمد الزهراني، أحد ممارسي المهنة، أن دخول تطبيقات النقل الذكي غيّر السوق بشكل كبير، حيث باتت هذه التطبيقات توفر بديلاً نظامياً للنقل، ما أثر على عدد «الكدادون» التقليديين. ورغم ذلك، لا تزال بعض الفئات مثل كبار السن والعمالة تعتمد على «الكدادة» نظراً لسهولة التعامل معهم وثقتهم في هذه المهنة.

لا تفوتك هذه القصة:
حدود الإعلام الرقمي.. هل تحمي القيم أم تقيّد الحريات

ضبط المخالفين.. حملة تفتيش واسعة

أعلنت الهيئة العامة للنقل استمرار حملاتها التفتيشية، حيث ضبطت خلال الفترة من 29 نوفمبر إلى 5 ديسمبر الماضي 1,278 مخالفاً، بينهم 586 مارسوا أعمالاً تحضيرية مثل المناداة دون ترخيص، و692 نقلوا الركاب بسياراتهم الخاصة بطرق غير نظامية. وأكدت الهيئة أن هذه الجهود تهدف إلى تعزيز التنافسية في قطاع النقل والحد من الممارسات غير المشروعة.

عقوبات صارمة للمخالفين

أوضحت الهيئة أن النظام الجديد شدد على منع النقل دون ترخيص، حيث تصل الغرامة عند تكرار المخالفات إلى 11 ألف ريال مع حجز المركبة لمدة 25 يوماً لمن يمارس المناداة، وإلى 20 ألف ريال مع حجز المركبة لمدة 60 يوماً لمن يزاول النقل غير النظامي. كما يمكن بيع المركبة وإبعاد غير السعودي عند تكرار المخالفة.

فرص وظيفية جديدة في ظل التنظيم

أشار الدكتور بدر سالم البدراني، أستاذ اقتصاديات التعليم المساعد، إلى أن تنظيم مهنة «الكدادة» يمثل فرصة لإدماج العاملين في منظومة رسمية، ما يرفع مستوى الدخل ويعزز الاستقرار المهني. وأضاف أن خدمات تطبيقات النقل الذكي شهدت نمواً لافتاً في الربع الثاني من 2025، حيث سجلت أكثر من 32 مليون رحلة بزيادة 104% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

دور الإعلام في التوعية

قال الدكتور ناهس العضياني، المحاضر بقسم الإعلام بجامعة الطائف، إن الإعلام يلعب دوراً محورياً في التوعية بقرار وزارة النقل القاضي بمنع المناداة والنقل دون ترخيص. وأضاف أن الإعلام يساهم في شرح مضمون القرار وأهدافه، ويساعد في توضيح العقوبات المترتبة على المخالفين، ما يعزز الالتزام بالقوانين والأنظمة.

تحديات نفسية وجسدية تواجه «الكدادون»

أكدت الأخصائية النفسية أمل الجهني أن «الكدادون» يعملون تحت ضغط الحاجة اليومية، ويسعون لتأمين دخل مستقر عبر جهد جسدي ونفسي كبير. وأشارت إلى أن التنظيمات الجديدة فرضت عليهم التكيّف مع أنماط عمل جديدة، ما يزيد من مستويات الضغط البدني والانفعالي لديهم.

مستقبل «الكدادة».. بين الاحتراف والتحول المهني

أوضح الأخصائي الاجتماعي جالي العتيبي أن مهنة «الكدادة» من أقدم المهن التي كانت لها مكانتها في المجتمع السعودي، لما تقدمه من خدمات تسهّل تنقل الأفراد بين المدن والمحافظات. وأكد أن التنظيمات الجديدة تمثل فرصة لتطوير المهنة وجعلها أكثر احترافية، من خلال انضمام «الكدادون» إلى شركات ومؤسسات مرخصة.

رأي الركاب.. تفضيل النقل النظامي

أشار عدد من الركاب إلى أنهم يفضلون استخدام وسائل النقل المرخصة بعد التنظيمات الجديدة، لما توفره من أمان وراحة. وأكد بعضهم أنهم يتجنبون التعامل مع «الكدادون» المخالفين، مفضلين استخدام تطبيقات النقل أو القطارات، لما توفره من أسعار ثابتة وخدمات موحدة.

ختاماً.. نهاية حقبة أم بداية تحول؟

بينما يغلق ملف «الكدادة» رسمياً، يبقى السؤال حول مستقبل هذه المهنة: هل ستختفي تماماً أم ستتحول إلى شكل أكثر احترافية ضمن منظومة النقل النظامي؟ الإجابة قد تكمن في مدى نجاح «الكدادون» في التكيف مع التنظيمات الجديدة والانضمام إلى الشركات المرخصة، ما يضمن لهم الاستمرار في العمل بشكل قانوني وآمن.

تحليل ذكي:

يأتي تنظيم مهنة «الكدادة» في إطار الجهود الحكومية المتواصلة لتنظيم قطاع النقل البري في المملكة، بهدف الحد من الفوضى وضمان سلامة الركاب. ورغم أن هذه الخطوة قد تبدو قاسية على «الكدادون» الذين يعتمدون على هذه المهنة كمصدر رزق أساسي، إلا أنها تمثل فرصة حقيقية لتطوير المهنة ودمجها في منظومة النقل النظامي. كما أن النمو اللافت لخدمات النقل الذكي يعكس تحولاً كبيراً في سلوك المستهلكين، ما يدفع towards مزيد من التنظيم والاحتراف في هذا القطاع الحيوي. من جهة أخرى، تبرز التحديات النفسية والاجتماعية التي يواجهها «الكدادون»، ما يستدعي دعمهم نفسياً واجتماعياً لضمان انتقال سلس إلى المهن النظامية.

ملخص الخبر:

  • أعلنت الهيئة العامة للنقل إغلاق ملف «الكدادة» بعد عقود من الارتباط بها، حيث حظرت المناداة العشوائية والنقل دون ترخيص.
  • فرضت الهيئة عقوبات تصل إلى 20 ألف ريال مع حجز المركبة لمدة 60 يوماً، وقد تمتد إلى بيعها في مزاد علني.
  • تراجع الصوت المرتفع لـ«الكدادة» ليحل محله همس خفيض في ظل التنظيمات الجديدة.
  • ارتفعت أسعار النقل بنسبة تصل إلى 100% بعد التنظيمات الجديدة.
  • لعبت تطبيقات النقل الذكي دوراً كبيراً في تغيير السوق وتوفير بديل نظامي للنقل.
  • واصلت الهيئة حملاتها التفتيشية، حيث ضبطت 1,278 مخالفاً خلال فترة قصيرة.
  • يمثل تنظيم «الكدادة» فرصة لإدماج العاملين في منظومة النقل النظامي ورفع مستوى الدخل.
  • يواجه «الكدادون» تحديات نفسية وجسدية نتيجة التنظيمات الجديدة.
  • يفضل الركاب وسائل النقل النظامية بعد التنظيمات الجديدة لما توفره من أمان وراحة.
  • يبقى مستقبل «الكدادة» رهيناً بمدى نجاحهم في التكيف مع التنظيمات الجديدة والانضمام إلى الشركات المرخصة.

التعليقات (0)

أضف تعليقك