عاجل

نداءات عاجلة لضبط المحتوى المهني على منصات التواصل.. من المسؤول عن الفوضى؟

خبراء قانونيون وطبيون يحذرون من مخاطر نشر النصائح المضللة من غير المختصين ويطالبون بآليات رقابية صارمة

صورة توضح مخاطر نشر المعلومات المضللة من غير المختصين على منصات التواصل الاجتماعي

باتت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لنشر المعلومات المغلوطة والنصائح الطبية والقانونية من غير المختصين، مما يهدد سلامة المجتمع ويضعف الثقة في المهن المنظمة. خبراء قانونيون وطبيون يدقون ناقوس الخطر مطالبين بضبط المحتوى والألقاب المهنية قبل أن تتفاقم الفوضى.

ظاهرة متنامية تهدد المجتمع

منذ أن فتحت منصات التواصل الاجتماعي أبوابها أمام الجميع، أصبحت ساحة للتنافس على الشهرة من دون ضوابط، حيث يتدفق سيل من المعلومات غير الدقيقة والنصائح الطبية والقانونية من أشخاص لا يملكون أي تأهيل أو خبرة في تلك المجالات. من يدعي أنه طبيب ينصح بدواء معين، أو محامٍ يفسر الأنظمة القانونية، أو خبير مالي يتنبأ بأسعار الذهب، وصولاً إلى من يروج لعلاج شعبي يزعم أنه يشفي من السرطان، كل ذلك يحدث دون أي سند علمي أو نظامي.

وفي إحدى الحوادث، نشر طبيب استشاري أن مريضاً أصيب بجلطة قلبية بعد أن توقف عن تناول دواء للكوليسترول بناءً على معلومات مضللة انتشرت عبر وسائل التواصل. وأوضح الطبيب أن الدواء معتمد من الجهات الرسمية، لكن بعض المستخدمين سخر منه مما دفع بعض المرضى إلى التوقف عن تناوله، مما أدى إلى إلحاق الضرر بصحتهم.

اقرأ أيضاً:
ألم المرضى وأنينهم ثمن الإهمال الطبي

المحامون: المهنة في خطر

المحامي فراس طرابلسي يقول إن ظهور المختصين في الإعلام ومنصات التواصل لم يعد مشهداً استثنائياً، بل أصبح ظاهرة متكررة، لكن الخطر يكمن في أن بعض هؤلاء يتحولون إلى مصدر للفتوى العامة دون أي ضوابط. فالمحامون يفسرون الأنظمة، والأطباء يقدمون نصائح علاجية، والمهندسون والاقتصاديون يحللون القرارات في بث مباشر، لكن عندما تتسلل اجتهادات غير دقيقة وتُقدم على أنها يقين علمي أو نظامي، فإن الجمهور يتخذها مرجعاً وهي في حقيقتها آراء شخصية لا تستند إلى أساس من الواقع.

ويشير طرابلسي إلى أن وزير العدل رئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للمحامين الدكتور وليد الصمعاني، حذر في مؤتمر المحاماة السعودي من أن أي طرح قانوني في وسائل الإعلام لن يُقبل مستقبلاً دون أساس نظامي صحيح، مؤكداً أن مثل هذه الآراء إذا كانت خاطئة أو غير دقيقة قد تؤدي إلى اهتزاز الثقة بالمهنة.

الهيئة العامة لتنظيم الإعلام تتحرك

الكاتب الباحث في الشأن القانوني هلال الهلالي، يوضح أن الهيئة العامة لتنظيم الإعلام شرعت في إصدار تحديثات تنظيمية تهدف إلى تشذيب الانحرافات في المحتوى الإعلامي، خاصة في المجالات الطبية والقانونية والاجتماعية. ويقول إن الهيئة بدأت بفرض عقوبات صارمة على من يتعدى على المهن المنظمة دون ترخيص، وصولاً إلى شطب التراخيص وفرض الغرامات.

لا تفوتك هذه القصة:
حدود الإعلام الرقمي.. هل تحمي القيم أم تقيّد الحريات

ويطالب الهلالي الهيئة بإطلاق برامج توعوية بالتعاون مع هيئات محلية مثل هيئة المحامين وهيئة الصحفيين وهيئة الغذاء والدواء، لتوعية المجتمع بضرورة فلترة المحتوى والتنبه إلى أي محتوى مخالف أو صانع محتوى غير موثق.

الأطباء يحذرون من المخاطر الصحية

استشاري الأمراض الصدرية والعناية المركزة الدكتور أحمد حمود يحيى الغامدي، يحذر من أن نشر المعلومات الطبية الخاطئة على منصات التواصل الاجتماعي يشكل خطراً كبيراً، إذ قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات صحية خاطئة تسبب تأخراً في الحصول على الرعاية الطبية المناسبة وتفاقم الأمراض.

ويقول الدكتور الغامدي إن المعلومات الطبية الخاطئة تتسم بالقدرة على الانتشار السريع، وغالباً ما تكون قصص الشفاء الوهمية، مما يساهم في زيادة الشائعات والمعلومات الكاذبة بشكل كبير. ويؤكد أن عصر السرعة والثورة المعلوماتية فتحت الباب أمام الاجتهاد في الآراء وسيل المعلومات التي لا حدود لها من كل من هب ودب في جل التخصصات، في سباق مذموم لنشر معلومات غير صحيحة بحثاً عن الترند وزيادة عدد المتابعين.

المحامي المدني: من يتكلم في غير فنه يأتي بالعجائب

المحامي الدكتور محمود حمزة المدني، يستشهد بقول مأثور للإمام ابن حجر العسقلاني: «من تكلم في غير فَنّه أتى بالعجائب»، مشيراً إلى أن من يتحدث في تخصصات لا يعرفها سيأتي بكلام خاطئ وغريب ومضحك. ويقول إن منصات التواصل الاجتماعي أعطت لكل شخص ساحة يتكلم فيها بما يشاء، لكن المشكلة تكمن عندما يتحدث أي شخص في تخصصات مهنية وعلمية دون possessing الأدوات الصحيحة أو الخلفية العلمية المتخصصة.

ويشير المدني إلى أن الجهات الرسمية سنّت قوانين ولوائح ومعايير تنظم عمل كل مختص، حتى يصبح مؤهلاً بالعلم والمعرفة، مما يمنع المتطفلين من الحديث في غير مجالاتهم. ويقول إن هناك عقوبات وجزاءات لمن ينتحل صفة مهنية، وقد تصل إلى الحق في رفع دعوى تعويض على من يتكلم في غير اختصاصه وكان سبباً مباشراً في إلحاق أذى أو ضرر لشخص بعينه.

الإعلامية فايزة الثبيتي: الفتاوى من غير المؤهلين خطر حقيقي

الإعلامية فايزة حامد الثبيتي، ترى أن انتشار الفتاوى الطبية والقانونية من غير المؤهلين يمثل خطراً حقيقياً على المجتمع، فمثلاً حين ينشر طالب طب أو قانون رأياً تخصصياً دون خبرة كافية، فإنه يزرع الثقة في معلومة قد تكون خاطئة، ما يهدد صحة الناس أو ينال من حقوقهم القانونية.

وتوصي الثبيتي بضرورة التصدي لمثل هذه الظواهر وتوعية المجتمع بعدم أخذ الفتاوى إلا من جهات معتمدة، وإدراج أخلاقيات النشر الرقمي ضمن مناهج الكليات، وتفعيل دور الهيئات المهنية في الرقابة والتنبيه.

ضوابط ضرورية لحماية المهن

المحامي فراس طرابلسي، يوصي بعدة أدوات لضبط المحتوى المهني على منصات التواصل، منها إطلاق منصة رسمية للتوعية القانونية والمهنية بإشراف خبراء معتمدين، واعتماد مهني خاص بالظهور الإعلامي يمنح المختصين شهادة موثوقة بعد اجتياز برنامج تدريبي، وإنشاء ميثاق شرف إعلامي مهني يلتزم فيه أصحاب المهن بعدم التطرق للعقوبات أو القضايا المنظورة إلا وفق الضوابط.

ويشدد على ضرورة ضبط استخدام الألقاب المهنية بحيث لا يُستخدم لقب «محامٍ» أو «طبيب» أو «مستشار قانوني» أو «خبير مالي» إلا وفق الترخيص الرسمي من الجهات المختصة، منعاً للخلط الذي يُضلل المجتمع ويُضعف الثقة بالمهنة.

خاتمة: مسؤولية مشتركة

في ظل هذه الفوضى، لا بد من وقفة حازمة من قبل الجهات التنظيمية والمجتمع ككل، فالمهن ليست أدوات للبحث عن الأضواء، بل رسائل عمادها الثقة والدقة. والظهور الإعلامي، متى التزم بضوابط الحق والواجب، يصبح جسراً لتعزيز وعي المجتمع، بدلاً من أن يكون ساحة استعراضية تُربك الناس وتشوه صورة العدالة والعلم معاً.

تحليل ذكي:

تظهر هذه التحقيقات أن ظاهرة نشر النصائح والمعلومات من غير المختصين على منصات التواصل الاجتماعي قد تجاوزت حدود الخطأ الأخلاقي إلى مخالفة نظامية واضحة، تهدد سلامة المجتمع وثقة الجمهور في المهن المنظمة. فالمعلومات الطبية الخاطئة قد تؤدي إلى أضرار صحية جسيمة، والمعلومات القانونية المضللة قد تنال من حقوق الأفراد، بينما تتسبب الفتاوى الدينية من غير المؤهلين في فوضى معرفية واجتماعية. ورغم الجهود التنظيمية التي تبذلها الجهات المختصة مثل الهيئة العامة لتنظيم الإعلام ووزارة العدل ووزارة الصحة، إلا أن الظاهرة ما زالت مستمرة بسبب غياب الوعي الكافي لدى الجمهور وعدم التزام بعض المؤثرين بالضوابط المهنية. إن الحل يتطلب تضافر جهود الجهات التنظيمية والمجتمع المدني لتوعية الجمهور بأهمية التحقق من مصادر المعلومات وعدم اتخاذ النصائح من غير المختصين مرجعاً، بالإضافة إلى تشديد العقوبات على من يتعدى على المهن المنظمة دون ترخيص.

ملخص الخبر:

  • انتشار واسع للنصائح الطبية والقانونية من غير المختصين على منصات التواصل الاجتماعي دون أي ضوابط أو تأهيل.
  • حوادث صحية خطيرة نتجت عن توقف مرضى عن أدوية بناءً على معلومات مضللة نشرها أشخاص غير مؤهلين.
  • تحذيرات من قبل خبراء قانونيين وطبيين من خطر الفوضى المعلوماتية على سلامة المجتمع وثقة الجمهور في المهن المنظمة.
  • الهيئة العامة لتنظيم الإعلام بدأت بفرض عقوبات صارمة على من يتعدى على المهن المنظمة دون ترخيص، وصولاً إلى شطب التراخيص وفرض الغرامات.
  • دعوات لإطلاق برامج توعوية بالتعاون مع هيئات محلية مثل هيئة المحامين وهيئة الصحفيين وهيئة الغذاء والدواء.
  • توصيات بضبط استخدام الألقاب المهنية وضمان عدم استخدامها إلا من قبل المختصين الحاصلين على ترخيص رسمي.
  • أهمية التزام الجمهور بالتحقق من مصادر المعلومات وعدم اتخاذ النصائح من غير المختصين مرجعاً.
  • دعوات لتطوير أدوات رقمية توثق مؤهلات من يقدم محتوىً تخصصياً ومعاقبة المتجاوزين.

التعليقات (0)

أضف تعليقك