عاجل

ظاهرة بيع زكاة الفطر على الأرصفة.. بين الحاجة الشرعية والتداول التجاري

مخاطر تحويل الزكاة إلى سلعة تجارية تهدد قيمتها الشرعية والاجتماعية

صورة توضح أكياس الأرز المخصصة لزكاة الفطر معروضة على أرصفة الشوارع، مما يثير تساؤلات حول مدى مطابقتها للمقاصد الشرعية.

تتكرر سنوياً في أواخر رمضان مشاهد عرض أكياس الأرز المخصصة لزكاة الفطر على الأرصفة أمام المحال التجارية، حيث يتجمع الناس لانتظار المتصدقين، لكن وراء هذه المشاهد تكمن ممارسات غير منضبطة تحول الزكاة من عبادة خالصة إلى سلعة تدور في حلقة تجارية مغلقة، مما يثير تساؤلات حول مدى مطابقتها للمقاصد الشرعية.

مأساة التدوير: الزكاة تتحول إلى سلعة

في أواخر أيام شهر رمضان، تعود إلى الأذهان مشاهد باتت مألوفة لدى كثير من الناس، إذ تُعرض أكياس الأرز المخصصة لزكاة الفطر على الأرصفة وأمام المحال التجارية، وتحيط بها مجموعات من الأشخاص الذين ينتظرون خروج المتصدقين. وما إن يقترب أحد المزكين حتى ترتفع الأصوات مطالبةً بنصيب من الزكاة، في مشهد يبدو لأول وهلة تعبيراً عن الحاجة الحقيقية. لكن الحقيقة التي تخفيها هذه المشاهد هي أن جزءاً من هذه الزكاة يُباع فوراً إلى نفس البائع أو إلى غيره، لتعود السلعة إلى البسطة وتُعرض من جديد، فيتحول الأمر إلى دائرة تجارية مغلقة لا يستفيد منها المحتاج الحقيقي.

ولا تقتصر المشكلة على هذا التداول، بل إن هذه الممارسات تشوه صورة العمل الخيري الذي يفترض أن يكون منظماً ويحفظ كرامة المحتاج. كما أن اختلاط المستحق بغير المستحق يجعل المتصدّق في حيرة من أمره، وقد يدفعه إلى إعطاء زكاته لمن لا يستحقها، مما يضيع المقصد الشرعي ويضعف أثر الزكاة في المجتمع.

اقرأ أيضاً:
ألم المرضى وأنينهم ثمن الإهمال الطبي

نداء الضمير: مواطنون يتساءلون عن شرعية الممارسات

كشف عدد من المواطنين أنهم يشعرون بتأنيب الضمير تجاه هذه الممارسات، خصوصاً بعد أن لاحظوا أن الزكاة تُباع وتُعاد إلى البسطات نفسها، مما دفع بعضهم إلى تسليم زكاتهم للجمعيات الخيرية التي تعتمد على التنظيم الرقمي والحوكمة الخاضعة لرقابة الجهات المعنية.

وقال سلطان العتيبي إنه شاهد بنفسه عملية تدوير الزكاة في الأعوام الماضية، إذ كان يرى الأرز يُسلّم ثم يُعاد بيعه في اللحظة نفسها، مما جعله يشك في أن أصحاب البسطات العشوائية يحققون مكاسب كبيرة من هذا السلوك. أما نواف العجمي، فقد قرر عدم دفع الزكاة إلا لمستحقيها الحقيقيين، وأصبح يسلمها سنوياً لإحدى الجمعيات الخيرية التي يثق بها.

ويشير ماجد البقمي إلى أن مشاهد البسطات العشوائية لزكاة الفطر تشكل تشوهاً بصرياً سنوياً وتربك المارة، بينما يتمنى فيصل الزايدي أن يتم تخصيص أكشاك مؤقتة عبر البلديات وفق ضوابط واضحة تسهم في معالجة العشوائية والقضاء على مسألة التدوير المصطنعة.

لا تفوتك هذه القصة:
حدود الإعلام الرقمي.. هل تحمي القيم أم تقيّد الحريات

الجمعيات الخيرية: منظمون يضمنون وصول الزكاة إلى مستحقيها

أكد المستشار في القطاع غير الربحي حامد حنيف العتيبي أن الثقة تتجدد سنوياً في الجمعيات الأهلية وقدرتها على إيصال زكاة الفطر لمستحقيها من خلال حوكمة رشيدة وإشراف إداري وفني من قطاعات حكومية تعزز الثقة. وأشار إلى حملة «لا تتبرع إلا بأمان» التي أطلقها المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي لتعزيز التبرع الآمن للجمعيات الرسمية.

وأوضح العتيبي أن قوة الجمعيات الأهلية تستند إلى أربع ركائز أساسية: الامتثال الرقمي عبر منصات وطنية موحدة مثل منصة «إحسان»، وإدارة بيانات المستفيدين عبر قواعد بيانات محدثة، والرقابة والتدقيق على عمليات شراء وتخزين وتوزيع الأرز، والشفافية التشغيلية عبر تقارير توضح أعداد المستفيدين والكميات الموزعة.

المنظومة الرقمية: ثورة في إيصال الزكاة

أكد مدير عام جمعية «نماء» الأهلية فيصل الحميد أن الجمعية تمتلك خبرات رائدة في تنفيذ مشروع زكاة الفطر سنوياً، وتطبق أدق الإجراءات للراغبين في توكيلها. وأوضح أن الجمعية تعمل بمنظومة رقمية متكاملة من لحظة التوكيل حتى التسليم، عبر قنوات تقنية آمنة مرتبطة بقاعدة بيانات المستفيدين، وتضمن إيصال الزكاة في وقتها الشرعي خلال آخر ليلتين من رمضان وقبل صلاة العيد.

وأضاف الحميد أن الزكاة تُخرج عيناً أرزاً، ويتم اختيار الموردين مبكراً عبر لجان مختصة، ثم تُسلّم للمستفيدين في المحافظات والقرى بالتعاون مع الجمعيات الشريكة.

التكافل الاجتماعي: زكاة الفطر رسالة إنسانية

أوضح الإخصائي الاجتماعي جالي العتيبي أن زكاة الفطر صورة من صور التكافل والتضامن الاجتماعي التي يحث عليها الدين الحنيف، وسار عليها المجتمع منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام. وهي كغيرها من المظاهر الاجتماعية تحتاج إلى التنظيم عبر تسليمها للجمعيات والجهات الرسمية التي تحقق هدفها الاجتماعي.

وبيّن العتيبي أن تسليم الزكاة للجمعيات يسهم في تنمية روح التكافل، وتزكية النفس من الشح، وغرس المسؤولية تجاه المحتاجين، وتعزيز قيمة العطاء، وسد حاجة الفقراء قبل العيد، ونشر الفرح بينهم، وتقوية أواصر التضامن الاجتماعي بسرية تحفظ كرامتهم.

الرقمنة في العمل الخيري: تحول نوعي

أوضح مدير الاتصال المؤسسي بجمعية البر بالمنطقة الشرقية همدان الراشدي أن الجمعية انتقلت خلال 10 سنوات من نموذج تقليدي إلى منظومة تشغيل رقمية متكاملة. وأشار إلى أن البرنامج شهد تحولاً رقمياً كاملاً في استقبال التوكيل وإدارة التوزيع عبر منصة موحدة، ما أسهم في تقليل الازدواجية بنسبة 90% ورفع نسبة الأتمتة إلى 100%.

وبيّن الراشدي أن البرنامج ركز على حفظ كرامة المستفيد عبر تنظيم آلية الاستلام من خلال مراكز وأسواق معتمدة تمنح خصوصية ومرونة بعيداً عن مظاهر العشوائية.

الجانب الشرعي: مقدار الزكاة وضوابطها

أوضح عضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبدالله المطلق أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث، فهي تزكيه وتكمل صيامه، وقد فرضها على عموم المسلمين لتُدفع لمن لا يجدون ما يكفيهم.

وأشار إلى أن مقدارها صاع نبوي يُقدَّر حالياً بنحو ثلاثة كيلوغرامات، وهو مقدار يزيد على الصاع احتياطاً، مشدداً على ضرورة إخراجها قبل صلاة العيد وعدم تأخيرها إلى ما بعد الصلاة، حتى يتمكن الفقراء من الانتفاع بها واستقبال العيد بفرح. كما أوضح أنه يجوز إخراجها قبل العيد بيومين، أي ابتداءً من يوم 28 رمضان.

الدعوة إلى الوعي: كيف ننقذ الزكاة من التداول التجاري؟

أكد الدكتور مطير الزهراني، عضو هيئة التدريس بجامعة الباحة، أن الدافع الإنساني وراء إخراج الزكاة مباشرة صادق ومقدّر، لكنه أشار إلى أن الانتقال من المشهد الفردي إلى زاوية العمل المؤسسي يكشف أن الصورة أوسع وأعمق. فالجمعيات الخيرية اليوم لا تعمل بعفوية، وإنما وفق قواعد بيانات محدثة وزيارات ميدانية وتقييم دقيق للحالات.

وأشار إلى أن تداول الزكاة في محيطات البيع العشوائي يؤدي غالباً إلى اختزالها في أثر لحظي محدود، إذ تدور في دورة قصيرة لا تمنح الأسرة المحتاجة فرصة للاستقرار أو التحسن الحقيقي. ومن هنا يتضح أن الفارق بين العطاء المنظم والعطاء العابر يتجلى في نتائجهما الممتدة.

الثقة في المؤسسات الرسمية: مفتاح القضاء على العشوائية

أكد الأكاديمي المتخصص في الاتصال والإعلام ياسر المالكي أن الاعتماد على القنوات الرسمية يسهم في القضاء على الظواهر السلبية مثل الازدحام وظهور السوق السوداء، مؤكداً أن توجيه المجتمع نحو الجهات الرسمية مسؤولية تربوية وإعلامية. وأشار إلى أن المملكة نجحت في إدارة العمل الحكومي والمؤسسات الخيرية، مما عزز الثقة في هذه الجهات.

وقال: «إن الثقة عامل مهم لتحقيق غايات العمل الخيري، وقد واجهت القطاعات الخيرية عالمياً تحديات بسبب سوء استخدام أموال المانحين»، مشيراً إلى أن المؤسسات الحكومية في المملكة أصبحت جهات موثوقة تعتمد الضبط لضمان وصول أموال المانحين إلى مستحقيها.

تحليل ذكي:

تسلط هذه الظاهرة الضوء على تحدٍّ اجتماعي وديني معقد، حيث تتداخل فيه القيم الإنسانية مع الممارسات التجارية غير المنظمة. فزكاة الفطر، التي شرعت لتحقيق التكافل الاجتماعي وإغناء الفقراء، تتحول في بعض الأحيان إلى سلعة تدور في حلقة تجارية مغلقة، مما يهدد قيمتها الشرعية والاجتماعية. ورغم الجهود المبذولة من قبل الجمعيات الخيرية والمنظومات الرقمية، إلا أن الوعي المجتمعي يبقى العامل الأهم في الحد من هذه الظاهرة. فالمسألة لا تقتصر على التنظيم الرسمي فحسب، بل تتطلب توعية واسعة النطاق بأهمية إيصال الزكاة إلى مستحقيها الحقيقيين عبر القنوات الموثوقة، لضمان أن تحقق الزكاة غايتها النبيلة في تخفيف معاناة الفقراء وتحقيق العدالة الاجتماعية.

ملخص الخبر:

  • ظاهرة بيع زكاة الفطر على الأرصفة تتكرر سنوياً في أواخر رمضان، مما يهدد قيمتها الشرعية والاجتماعية.
  • جزء من الزكاة يُباع فوراً إلى نفس البائع أو غيره، مما يحولها إلى سلعة تدور في حلقة تجارية مغلقة.
  • الجمعيات الخيرية تعتمد على المنظومات الرقمية والحوكمة الرشيدة لضمان وصول الزكاة إلى مستحقيها الحقيقيين.
  • مواطنون يشعرون بتأنيب الضمير تجاه هذه الممارسات، مما دفع بعضهم إلى التوجه للجمعيات الرسمية.
  • مقدار زكاة الفطر صاع نبوي يُقدَّر بثلاثة كيلوغرامات، ويجب إخراجها قبل صلاة العيد.
  • الدعوة إلى توعية المجتمع بأهمية إيصال الزكاة عبر القنوات الموثوقة لتجنب التداول التجاري العشوائي.

التعليقات (0)

أضف تعليقك