ظاهرة بيع الساعات التطوعية الوهمية.. تجارة غير نظامية تهدد قيم التطوع
انتشار تجارة الساعات التطوعية المزيفة عبر منصات التواصل الاجتماعي يثير مخاوف من تآكل قيم العمل التطوعي وتهديد استدامته
باتت ظاهرة بيع الساعات التطوعية عبر منصات التواصل الاجتماعي ظاهرة مقلقة، إذ يتاجر بعض الوسطاء بالساعات الوهمية مقابل مبالغ مالية تتراوح بين 100 و600 ريال، مستغلين حاجة الموظفين والطلاب للحصول على مزايا مرتبطة بالتطوع، في انتهاك صارخ للقيم الأخلاقية والنظامية التي يقوم عليها العمل التطوعي.
انتشرت مؤخراً ظاهرة بيع الساعات التطوعية (الوهمية) عبر منصات التواصل الاجتماعي، بأسعار تبدأ من 100 ريال إلى 600 ريال، بحسب عدد الساعات المطلوبة، وذلك لتسجيلها رسمياً في منصة العمل التطوعي، خصوصاً لدى الموظفين والطلاب لارتباط ذلك بعدد من المزايا الأكاديمية أو الوظيفية. وتوصلت «عكاظ» إلى أن هذه الظاهرة تتنامى في ظل غياب رقابة فعالة، إذ تنشط الإعلانات في المنصات الاجتماعية والمواقع الإلكترونية التفاعلية بشكل لافت منذ سنوات.
تواصل محرر «عكاظ» مع أحد المعلنين عن بيع الساعات التطوعية في موقع إلكتروني شهير، في تجربة حية للتأكد من انتشار الظاهرة وصدقيتها. وتم الاتفاق والتفاوض على شراء 400 ساعة تطوعية، بقيمة 400 ريال، وتسجيلها بتاريخ قديم على منصة العمل التطوعي، كمتطوع في جمعية خيرية جنوب المملكة. وكشفت التحقيقات أن وسطاء يعملون في هذه التجارة وفق عمولات متفق عليها مسبقاً مع آخرين لإنهاء كامل الإجراءات.
تواصلت «عكاظ» مع الجمعية الخيرية لسؤالها حول حقيقة بيع الساعات التطوعية الوهمية في منصات التواصل، وتسجيل المشترين متطوعين في أحد أنشطتها بتواريخ قديمة. جاء الرد نصّاً: «فيما يخص الساعات التطوعية، فلقد أضافت منصة العمل في الموقع الرسمي لها كثيراً من المجالات التطوعية، ومن ضمن المجالات المجال المالي، وتتم إضافة الساعات التطوعية مقابل خدمة مالية أو مبادرة أو تنظيم أو ما شابه ذلك من الخدمات الأخرى، التي يستحق عليها المتطوع ساعات تطوعية، وليس لدى الجمعية أي ساعات وهمية، ولا يوجد لدى الجمعية تعامل بالعمولات إطلاقاً، وإنما عقود عمل يتم التعاقد مع الأفراد أو المؤسسات».
تحدثت «عكاظ» مع أحد المسوقين للساعات التطوعية في منصات التواصل، وأكد أنه يعمل في هذا المجال بعمولة، بالاتفاق مع أحد العاملين في جمعية خيرية وإرسال البيانات الكاملة لتسجيلها في المنصة. وأوضح أن الحوالات المالية تُحول إلى حساب الموظف، ليبدأ في تسجيل الساعات المطلوبة كمتطوع في أيٍّ من أنشطة الجمعية وبرامجها، ومن ثم رفعها على المنصة.
أوضح المتحدث باسم المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي عبدالله الشومر أن الإعلانات التي تُنشر في مختلف المنصات خارج المنصة الوطنية للعمل التطوعي غير نظامية، وتمثل إحدى ممارسات الاحتيال، يُستهدف منها التكسب غير المشروع واستغلال الراغبين في التطوع. ودعا الراغبين في التطوع إلى التقدم للفرص من خلال المنصة الوطنية للعمل التطوعي، إذ إنها المنصة الوحيدة المعنية بعرض الفرص التطوعية.
أوضح المحامي والمستشار القانوني سعد علي الشهراني أن بيع الساعات التطوعية بمقابل مالي دون تقديم عمل فعلي يستفيد منه الفئة التي يستهدفها، هو أمر محرم شرعاً، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من غشنا فليس منا». وأكد أن هذا الفعل مجرّم نظاماً أيضاً من وجهين، فهو أحد أشكال الرشوة المجرمة طبقاً لنص المادة التاسعة مكرر 2 من نظام مكافحة الرشوة، ومن وجه آخر أحد أشكال التزوير التي تقع على محرر عرفي.
أكد الشهراني أن المسؤولية القانونية على من يروج لبيع هذه الساعات التطوعية الوهمية تمتد لتشمل كلاً من موظف منصة العمل التطوعي المتعاون مع الوسيط أو القائمين على الجهات التي تقدم شهادة تطوعية وهمية إلى منصة العمل التطوعي، إذ إن جميعهم في نظر القانون في حكم المرتشي والمزور لمحرر عرفي. ولا فرق هنا بين الفاعل الأصلي والوسيط في استحقاق العقوبة المنصوص عليها نظاماً.
أشارت المؤسس والعضو بمجلس إدارة في جمعيات عدة الدكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم إلى أن بيع الساعات التطوعية ليس ظاهرة جديدة، لكنه أصبح أكثر وضوحاً وانتشاراً مع ازدياد الطلب على شهادات التطوع متطلباً أكاديميّاً أو وظيفياً. ولفتت إلى أن المشكلة ليست فقط في الأشخاص الذين يشترون الساعات، بل في النظام الذي أتاح هذه الثغرة أساساً ويستوجب إغلاقها فوراً.
أكد الخبير في القطاع التطوعي أنس آل محمد أن ظاهرة بيع الساعات التطوعية الوهمية تشكل تحدياً كبيراً ينعكس سلباً على بيئة التطوع، إذ تؤثر على مصداقية الجهود المبذولة وتخلق فجوة في الثقة بين المؤسسات والمتطوعين الحقيقيين. ودعا إلى تكثيف التوعية بمخاطر هذه الممارسات وتعزيز دور الجهات المسؤولة في تطوير أنظمة تضمن نزاهة العمل التطوعي.
تواصلت «عكاظ» مع مالك موقع شهير في السعودية نشر على موقعه إعلاناً لبيع ساعات التطوع، وسألته عن مدى نظاميته، فبادر فوراً بحذفه من موقعه، دون تعليق.
تحليل ذكي:
تعد ظاهرة بيع الساعات التطوعية الوهمية ظاهرة خطيرة تهدد القيم الأخلاقية والنظامية التي يقوم عليها العمل التطوعي، كما أنها تشكل انتهاكاً صارخاً للقوانين الشرعية والنظامية. وتكشف التحقيقات عن وجود ثغرات في النظام تسمح بظهور مثل هذه الممارسات، ما يستوجب تدخلاً عاجلاً من الجهات المسؤولة لإغلاق هذه الثغرات وتعزيز الرقابة على منصة العمل التطوعي. كما أن هذه الظاهرة تؤثر سلباً على مصداقية العمل التطوعي الحقيقي، وتخلق فجوة في الثقة بين المؤسسات والمتطوعين، ما يستوجب تكثيف التوعية بمخاطرها وتعزيز القيم الأخلاقية في المجتمع.
ملخص الخبر:
- انتشار ظاهرة بيع الساعات التطوعية الوهمية عبر منصات التواصل الاجتماعي بأسعار تتراوح بين 100 و600 ريال.
- middlemen يعملون وفق عمولات متفق عليها مسبقاً لإنهاء إجراءات تسجيل الساعات.
- الجمعية الخيرية تنفي وجود ساعات وهمية وتؤكد أن الساعات تُضاف مقابل خدمات مالية أو مبادرات.
- المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي يحذر من الإعلانات خارج المنصة الوطنية للعمل التطوعي بوصفها ممارسات احتيال.
- المحامي والمستشار القانوني يعد بيع الساعات التطوعية محرماً شرعاً ونظاماً، ويهدد بفرض عقوبات تصل إلى السجن 5 سنوات وغرامة 500 ألف ريال.
- الدكتورة لمياء البراهيم تحذر من أن المشكلة تكمن في النظام الذي أتاح هذه الثغرة ويستوجب إغلاقها فوراً.
- الخبير أنس آل محمد يدعو إلى تكثيف التوعية وتعزيز الرقابة لضمان نزاهة العمل التطوعي.
التعليقات (0)
أضف تعليقك