عاجل

جدل أخلاقي وديني حول عمليات التجميل بين الضرورة والتغيير في خلق الله

هل تتحول عمليات التجميل من علاج التشوهات إلى هوس جمالي يهدد الصحة النفسية؟

صورة توضح عملية تجميل للأنف، مع التركيز على الجدل الأخلاقي والديني حولها.

منذ أن خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، ظل الإنسان يبحث عن الكمال، فظهرت عمليات التجميل كحل سحري لتحقيق ذلك، لكن هل هي حقاً ضرورة أم مجرد هروب من الواقع؟ طرحت «عكاظ» هذا السؤال على العلماء والمختصين، فتناقشت الآراء بين من يرى فيها علاجاً شرعياً للتشوهات، ومن يحذر من تجاوز حدود الله، وصولاً إلى من يعتبرها انعكاساً لضغوط اجتماعية ونفسية متزايدة.

موقف العلماء: بين الضرورة والتغيير في خلق الله

أثار عضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبدالله المنيع جدلاً واسعاً حول مشروعية عمليات التجميل، مشيراً إلى أن الغرض منها هو الفيصل بين المسموح والممنوع. وقال: «إذا كان الغرض من التجميل إصلاح خلل خلقي طارئ مثل وجود خلل في الأنف كالانحراف، فهذا لا بأس به، فقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم عرفجة بن حرثمة عندما قطع أنفه، وجعل على أنفه أنفاً من حديد، ثم أشار إليه بوضع أنف من ذهب لعدم صدأ الذهب».

وأضاف الشيخ المنيع: «أما إذا كان الغرض تحسين الخلق نفسه، فهذا اعتراض على خلق الله عز وجل، فلا يجوز، فالله سبحانه وتعالى حلف بالتين والزيتون، قال تعالى: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم»، فلا يمكن أن يأتي أي تعديل بأفضل من خلق الله».

اقرأ أيضاً:
ألم المرضى وأنينهم ثمن الإهمال الطبي

الطب النفسي: من يحتاج التجميل ومن لا يحتاجها

من جانبه، استعرض الدكتور جمال الطويرقي، أستاذ الطب النفسي الإكلينيكي، الفئات الثلاث التي تحتاج إلى عمليات التجميل. الفئة الأولى تشمل من يحتاجونها ضرورياً مثل علاج الحروق وآثار الحوادث والعيوب الخلقية، بينما الفئة الثانية تتعلق بمن يعتقدون أنهم بحاجة إليها دون وجود داعٍ طبي، وهو ما يعرف بمرض تشوه الجسم. أما الفئة الثالثة، فهي المضطربون نفسياً الذين يعتقدون بوجود خلل في أجسادهم، وهو ما ينتهي غالباً بالفشل والانتحار.

وقال الدكتور الطويرقي: «في هذا الزمن نجد أن أكثر الحالات في سن مبكرة نتيجة رغبة الوالدين، إذ يقررون تغيير أشكال أبنائهم في سنوات المراهقة والطفولة، وهذا ما يفعله إبليس عندما وعد «ولآمرنهم فليغيرن خلق الله». فالإنسان في هذه الحالة خصيم نفسه».

دور وسائل التواصل الاجتماعي: من الوعي إلى الإدمان

أكد الأخصائي الاجتماعي عبدالله اليامي أن منصات التواصل الاجتماعي لعبت دوراً كبيراً في زيادة الإقبال على عمليات التجميل، مشيراً إلى أن بعض الأشخاص يقارنون حياتهم بما يرونه على هذه المنصات، مما يدفعهم إلى فقدان الثقة بأنفسهم واللجوء إلى العمليات. وقال: «يجب تقنين هذه العمليات، لأنها أصبحت إدماناً لدى البعض».

لا تفوتك هذه القصة:
حدود الإعلام الرقمي.. هل تحمي القيم أم تقيّد الحريات

الجمال بين الضرورة والترف

كتبت الكاتبة شمعة جعفري أن مفهوم الجمال لم يعد مقتصراً على الفطرة، بل أصبح هاجساً يتسابق الناس وراءه. وأشارت إلى أن عمليات التجميل تنقسم إلى نوعين: التجميل العلاجي، الذي يهدف إلى معالجة التشوهات، والتجميل الشكلي، الذي يجرى بدوافع جمالية بحتة. وقالت: «عمليات التجميل نعمة حين تُستعمل في موضعها الصحيح، ونقمة إذا تحولت إلى وسيلة للتغيير المبالغ فيه».

آراء النساء والرجال: بين القبول والرفض

أبدت النساء آراء متباينة حول عمليات التجميل. فقالت هدى: «التجميل بالنسبة لي رحلة نحو إبراز الجمال لا طمسه»، بينما رأت فاطمة أن العمليات التجميلية تعتمد على الهدف، فإذا كان صحياً فهو منقذ، أما إذا كان تجميلياً بحتاً فلا تفضله. أما الرجال، فتباينت آراؤهم أيضاً، إذ رأى عبدالله سعد أن العمليات التجميلية للرجال أصبحت أكثر قبولاً في المجتمع الحديث، بينما حذر بندر عيد من التركيز على المظهر الخارجي على حساب الصحة العامة.

الإعلام ومسؤولياته

أكد الكاتب الصحفي جيلاني الشهراني أن للإعلام دوراً أساسياً في تشكيل وعي المجتمع حول عمليات التجميل. وقال: «الإعلام إما أن يرشد ويثقف أو يشوش ويروج لمفاهيم غير سليمة للجمال». وحذر من بعض البرامج النسائية والمنصات الرقمية التي تستضيف غير المتخصصين أو تروج لعمليات تجميل عبر صور «قبل وبعد» منمقة، مما قد يوقع الشباب في قرارات غير مدروسة.

تحليل ذكي:

تظهر عمليات التجميل اليوم كظاهرة معقدة تتداخل فيها الأبعاد الدينية والأخلاقية والنفسية والاجتماعية. فمن ناحية، تمثل هذه العمليات حلاً طبياً شرعياً لعلاج التشوهات الخلقية أو الناتجة عن الحوادث، وهو ما يتفق مع القيم الإسلامية التي تحث على إصلاح الضرر دون المساس بخلق الله. ومن ناحية أخرى، تتحول هذه العمليات إلى هوس جمالي يعكس ضغوطاً اجتماعية ونفسية متزايدة، خاصة مع انتشار صور «الكمال» المصطنعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ويبرز هنا دور الإعلام في توعية المجتمع، فبينما يمكن أن يكون أداة تثقيفية، فإنه قد يتحول إلى وسيلة ترويج غير مسؤولة، مما يزيد من انتشار هذه الظاهرة دون وعي كافٍ بمخاطرها.

ملخص الخبر:

  • عمليات التجميل تنقسم إلى علاجية (لإصلاح التشوهات) وشكليّة (للتغيير الجمالي بحت).
  • العلماء يفرقون بين الضرورة الشرعية (إصلاح الخلل) والتغيير في خلق الله (غير جائز).
  • الفئات الثلاث التي تحتاج إلى عمليات التجميل: من يحتاجونها ضرورياً، من يعانون من مرض تشوه الجسم، والمضطربون نفسياً.
  • وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دوراً كبيراً في زيادة الإقبال على العمليات، مما قد يؤدي إلى إدمانها.
  • الإعلام مسؤول عن توعية المجتمع، فإما أن يرشد أو يشوش المفاهيم حول الجمال.
  • آراء النساء والرجال متباينة، فمنهم من يراها ضرورة ومنهم من يحذر من مخاطرها.
  • عمليات التجميل قد تكون نعمة إذا استُخدمت في موضعها الصحيح، ونقمة إذا تحولت إلى هوس جمالي.

التعليقات (0)

أضف تعليقك