عاجل

تحذيرات من خطر المحتوى الرقمي الضار على أطفالنا.. كيف نحميهم؟

خبراء يحذرون من المخاطر النفسية والاجتماعية التي تهدد أطفالنا جراء التعرض للمحتوى الرقمي غير المراقب

صورة توضح طفلاً يستخدم جهازاً إلكترونياً مع تعبيرات القلق، مع خلفية تمثل المحتوى الرقمي الضار.

أصبحت الثورة الرقمية جزءاً لا يتجزأ من حياة أطفالنا، لكنها تحمل في طياتها مخاطر نفسية واجتماعية تهدد سلامتهم العقلية، فبينما تسهم التقنيات الحديثة في تطوير مهاراتهم، إلا أنها قد تدمر مستقبلهم إذا لم نتحرك لحمايتهم من المحتوى الضار الذي يتسلل إليهم عبر شاشات هواتفهم وأجهزة الكمبيوتر.

التأثيرات النفسية والاجتماعية للمحتوى الرقمي

يشهد العالم اليوم ثورة تقنية متسارعة في التواصل الاجتماعي والمعارف الرقمية، التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياة الإنسان، إلا أن تعرُّض الأطفال للمحتوى الرقمي الضار له تأثيرات نفسية بالغة قد تصل بهم إلى مرحلة القلق والاكتئاب. وباتت تغذية الأبناء بمحتوى إيجابي هاجساً لدى الكثير من الأسر في ظل الثورة الرقمية للإنترنت، مع الحذر من أولئك الذين يدسّون السم الفكري أو المحتوى الهادم للثروة الحقيقية للأوطان.

وأظهرت دراسة أجرتها جامعة أوكسفورد أن 45% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و14 عاماً أصيبوا بالقلق والاكتئاب بعد تعرضهم لمحتويات ضارة عبر الإنترنت. فالعالم اليوم أصبح مجتمعاً رقمياً يستخدم التقنية في جميع مجالات حياته، من تعليم وترفيه إلى إنهاء الأعمال، ولم يعد يعتمد على الورقة والقلم فحسب، بل يعيش حياته بضغطة زر ينتقل بها من بلد لآخر ومن محتوى لآخر.

اقرأ أيضاً:
ألم المرضى وأنينهم ثمن الإهمال الطبي

أرقام مخيفة حول استخدام الأطفال للإنترنت

لم تعد التقنية واستخدام الإنترنت مجرد رفاهية، بل أصبحت ضرورة لا غنى عنها. وأشارت الهيئة العامة للإحصاء السعودية في عام 2019م إلى أن متوسط عدد الساعات التي يقضيها الأفراد باستخدام الإنترنت في المملكة يصل إلى سبع ساعات تقريباً، وأن عدد مستخدمي الإنترنت في المملكة العربية السعودية بلغ 23.2 مليون فرد، فيما وصل عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي إلى 25 مليون فرد.

وأظهر تقرير للأمم المتحدة أن عام 2023م شهد استخدام 79% من الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً منصات التواصل عبر الإنترنت، مقارنة بنسبة 65% مقارنة ببقية سكان العالم، وأن الأطفال يقضون وقتاً أطول على الإنترنت. وأشارت في تقريرها لعام 2017م إلى أن ثلث مستخدمي الإنترنت في العالم من الأطفال، ومع ذلك فلم تُبذل سوى جهود قليلة لحمايتهم من مخاطر العالم الرقمي، وحماية الأثر المعلوماتي الذي تخلّفه أنشطتهم على الإنترنت، وزيادة قدرتهم على الوصول إلى محتوى آمن وعالي الجودة.

تحذيرات دولية من مخاطر المحتوى الرقمي

حذرت اليونيسيف من أن الفرص والفوائد العديدة التي تتيحها إمكانية الوصول الرقمية للأطفال مصحوبة بمخاطر جسيمة، فالتنمّر الإلكتروني وغيره من أشكال عنف الأقران قد يؤثر على الأطفال والشباب الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الرسائل الفورية كلما يسجلون الدخول إليها.

لا تفوتك هذه القصة:
حدود الإعلام الرقمي.. هل تحمي القيم أم تقيّد الحريات

بدورها، حذرت اليونسكو من أن المحتوى القائم على الخوارزميات المعتمدة على الصور على منصات مثل إنستغرام وتيك توك يعرّض الصغار لأمور سلبية، فتنوع تطبيقات الإنترنت واختلاف وسائلها، ومنها التطبيقات الخاصة بالأطفال، باتت متوفرة في هواتفهم الذكية، وأصبحوا يعيشون في عالم افتراضي غير الواقع الذي يعيشونه في الحقيقة، وبالتالي باتوا يبحثون من خلالها عن تكوين علاقات مع آخرين والتقاء بهم افتراضياً، دون معرفة وإدراك لأهدافهم.

دور الأسرة في حماية الأطفال من المحتوى الضار

باتت عملية حماية الطفل من قبل الوالدين شاقة، فلم يعد دورهما يقتصر على متابعة مأكله ومشربه وملبسه، بل امتد إلى تفكيره الذي بات يتشكل مع هذه التقنية، لذا أصبحت متابعة الأطفال من أخطر القضايا التي تحتاج إلى ثقافة مجتمعية لإنجاحها من قبل الوالدين، فالأطفال بطبيعتهم يتأثرون بالأمور الإيجابية أو السلبية على حد سواء، ويمكن استمالتهم لأي جانب كان.

آراء الخبراء في حماية الأطفال من المحتوى الرقمي

الاستشاري في الطب النفسي للأطفال والمراهقين الدكتور أحمد الألمعي

قال الدكتور أحمد الألمعي في تصريح خاص لـ«عكاظ»: «في عصر التطور الرقمي المستمر، أصبح تأثير وسائل الإعلام على الأطفال والشباب أكثر من أي وقت مضى، فالمحتوى الإعلامي يمكن أن يكون مصدراً مهماً للتعلم والتسلية، غير أن هناك العديد من المنصات التي تحتوي على محتوى قد يكون غير مناسب أو ضاراً، لذلك من الضروري أن نعدّ المحتوى الإعلامي بشكل مدروس للأطفال، ونثقّف الأسر حول كيفية حماية أبنائهم من بعض المنصات الإعلامية التي قد تحتوي على محتوى غير مناسب».

وأضاف الألمعي: «على الوالدين تحديد المحتوى المناسب للأبناء، فعقول الأطفال تتأثر بشكل كبير بالمحتوى الذي يتعرضون له، سواء كان موجهاً للتعلم أو الترفيه. ووفقاً لدراسة أُجريت في عام 2020م، تبين أن 87% من الأطفال بين 8 و12 عاماً يقضون أكثر من ساعتين يومياً أمام شاشات الهواتف الذكية أو أجهزة الكمبيوتر، ما يعكس مدى تأثير هذا المحتوى عليهم في مراحلهم العمرية المبكرة».

ضرورة اختيار المحتوى الذي يعزز القيم الأسرية

وأكد الألمعي أن المحتوى يجب أن يكون خالياً من العنف والمحتوى غير اللائق، مشيراً إلى أن دراسة أجرتها جمعية أطباء الأطفال الأمريكية في عام 2019م أظهرت أن «الأطفال الذين يتعرضون لمحتوى عنيف في وسائل الإعلام يظهرون سلوكيات عدوانية بشكل أكبر».

وقال: «كل مرحلة عمرية تتطلب نوعاً مختلفاً من المحتوى، فعلى سبيل المثال، لا يجب للأطفال دون سن السابعة التعرض للمحتوى العنيف أو المثير للجدل، بل يجب التركيز على محتوى ملائم يساعد في تنمية مهاراتهم الاجتماعية والإبداعية».

توعية الأسرة ضرورة حتمية

وأشار الألمعي إلى أن توعية الأسرة تصبح جزءاً أساسياً من العملية، إذ تشير دراسة أجرتها اليونيسيف في عام 2021م إلى أن 60% من الآباء في مختلف دول العالم لا يملكون الأدوات الكافية لمراقبة نشاط أبنائهم على الإنترنت، ما يجعلهم أكثر عرضة للتأثيرات السلبية للمحتوى غير المناسب.

وقال: «يجب تعليم الآباء كيفية استخدام أدوات الرقابة الأبوية، كتوفر معظم أنظمة التشغيل والتطبيقات التي تسمح بتصفية المحتوى غير المرغوب فيه، وهناك دراسة أجريت في عام 2020م، أظهرت أن 75% من الآباء الذين استخدموا هذه الأدوات أشاروا إلى تحسينات في قدرة أطفالهم على استخدام الإنترنت بشكل آمن».

دور المدارس والمجتمع في حماية الأطفال

أكد الألمعي أن دور المدارس والمجتمع في حماية الأبناء يجب أن يكون دوراً محورياً في تعليم الطلاب المهارات الرقمية الصحيحة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال ورش العمل والمحاضرات التي تركز على أهمية استخدام الإنترنت بشكل آمن.

آراء أخرى حول تأثير المحتوى الرقمي

الدكتورة أمل المولد، أستاذة الاتصال والصحافة المساعد بقسم الإعلام بجامعة أم القرى

قالت الدكتورة أمل المولد لـ«عكاظ»: «إن للمحتوى الرقمي تأثيراً بالغاً على الطفل بشقيه الإيجابي والسلبي، وأكدت الدراسات العلمية ذلك، ففي التأثير الإيجابي أشارت نتائج دراسة علمية بعنوان (الطفل والعالم الرقمي) للباحث إنجين توران في عام 2024م، أن الوسائل الرقمية تسهم في تنمية الأطفال وتطوير مهاراتهم العلمية كالقراءة والكتابة، وكذلك مهارة حل المشكلات والإبداع».

وعن التأثير السلبي، أثبتت الدراسة أن التعرض المفرط للمحتوى الرقمي يؤثر سلباً على الطفل بجعله يعيش في عزلة اجتماعية، وقد يعاني من الفشل الأكاديمي، واضطرابات النوم، والخمول البدني، والسمنة خصوصاً لدى الأطفال دون سن الثالثة، الذين أكدت الدراسة وجوب تجنب تعريضهم للشاشات.

أهمية الرقابة الأبوية

وأكدت الدكتورة المولد أن الوسائل الإعلامية تلعب دوراً مهماً في توعية الوالدين بدور الرقابة في حماية الأطفال من أي تأثير سلبي، من خلال توعيتهم بمراقبة المحتوى الذي يتعرض له الأطفال والتأكد من مناسبته لهم، وتوفير بدائل من الأنشطة الترفيهية التثقيفية المتنوعة التي تلهي الأطفال وتفريغ طاقتهم وتعود عليهم بالنفع.

آراء المختصين في المجال التقني

مهندسة البرمجيات سارة الأنصاري

أوضحت المهندسة سارة الأنصاري لـ«عكاظ» أن الحماية من المحتوى الضار تعتمد على ثلاث ركائز أساسية: التوعية، والأدوات التقنية، والإشراف المستمر. وقالت: «يجب تعليم الأطفال كيفية التمييز بين المحتوى الجيد والسيئ، وأن نوضح لهم أهمية الحفاظ على خصوصيتهم وعدم التفاعل مع الغرباء عبر الإنترنت، ونشجعهم على مشاركة تجاربهم الرقمية معنا».

وأكدت أهمية اللجوء إلى الأدوات التقنية التي تساعد على تصفية المحتوى غير المناسب، ولحجب المواقع الضارة، وتتبع النشاط الرقمي، ولتصفية المحتوى الخطير على مستوى الشبكة المنزلية.

دور الأنظمة والقوانين في حماية الأطفال

المحامي نايف سعيد المطيري

أكد المحامي نايف سعيد المطيري أن نشاط الإعلام المرئي والمسموع في السعودية يهدف إلى ترسيخ مبادئ الدين الإسلامي، وحماية وإثراء الثقافة والتراث والهوية الوطنية، وأوجد التصنيف العمري الذي يهدف إلى توفير مجموعة من الفوائد المجتمعية، أهمها مساعدة البالغين على اختيار التصنيف المناسب لهم وللأطفال الذين هم في رعايتهم.

وقال: «نصت المادة الخامسة من نظام الإعلام المرئي والمسموع على وجوب التقيد بضوابط المحتوى الإعلامي، وعدم التعرض بالتجريح أو الإساءة، وعدم التعرض لما من شأنه إثارة النعرات والفرقة والكراهية بين المواطنين، والتحريض على العنف، وتهديد السلم المجتمعي».

ضرورة تنظيم المحتوى الإعلامي

وأضاف المطيري: «أوجبت المادة الـ17 من النظام عقوبات على كل من يخالف أحكامه، تشمل غرامة لا تزيد على 10 ملايين ريال، والإيقاف عن مزاولة المهنة لمدة لا تزيد على ستة أشهر، أو إلغاء الترخيص، كما تُضاعف الغرامة في حال تكرار المخالفة».

دور المجتمع في حماية الأطفال

المستشار الاجتماعي طلال محمد الناشري

أكد المستشار الاجتماعي طلال محمد الناشري أن العديد من البرامج والأفلام الكرتونية تقدم محتوى تعليمياً يساعد في تطوير مهارات الأطفال، إلا أن هناك برامج هادمة تستغل براءة الأطفال وتدخلهم في مشاهد عنيفة تؤثر سلباً على سلوكهم.

وقال: «من المهم تنظيم ورش عمل ومحاضرات لأولياء الأمور حول كيفية اختيار المحتوى المناسب، وإنشاء مجموعات دعم لأولياء الأمور لمناقشة التحديات ومشاركة التجارب، وتوفير كتيبات أو موارد عبر الإنترنت تحتوي على قوائم بمحتوى موصى به وآخر غير مناسب».

وأضاف الناشري: «على الآباء متابعة المحتوى الذي يشاهده الأطفال والتأكد من ملاءمته لأعمارهم، ومناقشتهم في المحتوى لتعزيز الفهم والنقد، وتحديد الوقت بوضع حدود زمنية لاستخدام الأجهزة الإلكترونية».

تحليل ذكي:

تسلط هذه التحقيقات الضوء على ظاهرة خطيرة تهدد مستقبل أطفالنا، وهي التعرض للمحتوى الرقمي الضار الذي بات منتشراً بشكل واسع في ظل الثورة التقنية التي نعيشها. فبينما تسهم التقنيات الحديثة في تطوير مهارات الأطفال وتعزيز تعلمهم، إلا أنها تحمل في طياتها مخاطر نفسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها. وتكشف الأرقام والإحصائيات عن حجم المشكلة، حيث تشير الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من الأطفال يعانون من القلق والاكتئاب بعد تعرضهم لمحتويات ضارة عبر الإنترنت، كما أن التعرض المفرط للمحتوى الرقمي يؤثر سلباً على صحتهم النفسية والاجتماعية، مما يستدعي تضافر جهود الأسرة والمجتمع والمؤسسات التعليمية لحماية أطفالنا من هذه المخاطر. فالمسؤولية تقع على عاتق الجميع، بدءاً من الأهل الذين يجب أن يكونوا على دراية بأدوات الرقابة الأبوية، وصولاً إلى المؤسسات التعليمية التي يجب أن تقدم برامج توعية وتدريب حول الاستخدام الآمن للإنترنت، وأخيراً إلى الجهات الحكومية التي يجب أن تضع قوانين وتشريعات صارمة لحماية الأطفال من المحتوى الضار.

ملخص الخبر:

  • تشير دراسة جامعة أوكسفورد إلى أن 45% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و14 عاماً أصيبوا بالقلق والاكتئاب بعد تعرضهم لمحتويات ضارة عبر الإنترنت.
  • كشفت الهيئة العامة للإحصاء السعودية أن متوسط عدد الساعات التي يقضيها الأفراد باستخدام الإنترنت في المملكة يصل إلى سبع ساعات تقريباً.
  • حذرت اليونيسيف من مخاطر التنمّر الإلكتروني والعنف عبر الإنترنت على الأطفال والشباب.
  • أكدت اليونسكو أن الخوارزميات المعتمدة على الصور على منصات مثل إنستغرام وتيك توك تعرض الصغار لأمور سلبية.
  • أوصت الدراسات بضرورة توعية الأسر حول كيفية حماية أبنائهم من المحتوى الرقمي الضار.
  • حددت الدراسات مراحل عمرية مختلفة يجب مراعاتها عند اختيار المحتوى المناسب للأطفال.

التعليقات (0)

أضف تعليقك