عاجل

الكدادة.. خيار مرن أم خطر على السلامة وحقوق المسافرين

ظاهرة «الكدادة» في النقل الأهلي تثير تساؤلات حول السلامة والتنظيم رغم مرونتها

صورة توضح ظاهرة «الكدادة» أمام بوابة مطار، حيث يقف سائقون يعرضون نقل الركاب بسياراتهم الخاصة دون ترخيص.

على الرغم من التطور الكبير في منظومة النقل الحديثة، ما زالت ظاهرة «الكدادة» حاضرة بقوة في المشهد اليومي، خاصة أمام بوابات المطارات ومحطات السفر، مما يطرح تساؤلات حول مدى سلامتها وموثوقيتها وحقوق الركاب فيها.

ظاهرة «الكدادة».. بين المرونة واللامنظمة

على الرغم من التطور المتسارع في قطاع النقل وظهور منظومة حديثة تضم القطارات والحافلات المنظمة وشركات النقل التشاركي والتطبيقات الذكية، ما زالت «الكدادة» ظاهرة متكررة في المشهد اليومي، خصوصاً أمام بوابات المطارات ومحطات السفر، وبين المدن والقرى. وتكشف هذه الظاهرة عن حاجة بعض المسافرين إلى خدمة سريعة ومرنة، لكنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات حول السلامة والموثوقية وحقوق الركاب.

«الكدادة».. مهنة شعبية تتحدى التنظيمات الحديثة

«الكدادة» من المهن الشعبية القديمة التي شكّلت أحد أبرز أنماط النقل الأهلي في المجتمع، وارتبطت بمرحلة ما قبل التنظيمات الحديثة لقطاع النقل. كان «الكداد» ينقل الركاب بسيارته الخاصة بين المدن والقرى، مستنداً إلى معرفته بالطرق وثقة الناس به، لتصبح هذه الممارسة وسيلة أساسية للتنقل لسنوات طويلة.

اقرأ أيضاً:
جامعة الطائف تحذر من وسطاء القبول والسداد لبرامج الدبلوم

ومع تغير منظومة النقل وارتفاع معايير السلامة والتنظيم، أصبحت ممارسة «الكدادة» بصورتها التقليدية تثير عدداً من الإشكالات، في مقدمتها اعتمادها على مركبات خاصة لا تخضع بالضرورة للاشتراطات والفحوص الدورية المخصصة لمركبات نقل الركاب. ما يجعل مستوى جاهزيتها وسلامتها متفاوتاً من مركبة إلى أخرى، وقد لا يكون بعضها مناسباً للرحلات الطويلة أو مجهزاً بوسائل السلامة اللازمة.

إشكالية الأسعار.. غياب آلية موحدة لتحديد الأجور

تبرز كذلك إشكالية الأسعار، في ظل غياب آلية واضحة وموحدة لتحديد أجور الرحلات. الأمر الذي قد يعرّض الركاب لتفاوت كبير في التكلفة أو مبالغات في الأسعار، خصوصاً في المواقع التي يرتفع فيها الطلب، مثل بوابات المطارات ومحطات السفر، وفي أوقات الذروة التي تقل فيها الخيارات المتاحة أمام المسافر.

ولا تتوقف الإشكالات عند المركبة أو السعر، إذ يواجه الراكب، في حال وقوع حادثة مرورية أو نشوب خلاف مع السائق أو نسيان متعلقات داخل المركبة، صعوبة في تحديد الجهة التي يمكن الرجوع إليها. في ظل غياب سجل رسمي للرحلة أو عقد يحدد حقوق والتزامات الطرفين، ما يضع الراكب في موقف أضعف مقارنة بخدمات النقل النظامية التي توفر قنوات واضحة للشكاوى والمتابعة والمسؤولية.

لا تفوتك هذه القصة:
من «الفزعة» إلى الاستعراض.. هل تحوّلت «السوشيال ميديا» طقوس الزواج؟

مرونة «الكدادة».. ميزة قد تتحول إلى خطر

في المقابل، لا يمكن تجاهل الأسباب التي أبقت «الكدادة» حاضرة حتى اليوم؛ فهي توفر، في بعض الحالات، مرونة وسرعة لا تتوافر دائماً في الوسائل الحديثة. إذ يستطيع المسافر الانطلاق فوراً دون انتظار موعد أو توفر مركبة عبر التطبيقات، كما تتيح له الوصول مباشرة إلى مدينته أو قريته دون توقف أو تحويلات. ما يجعلها خياراً عملياً لبعض المسافرين، خصوصاً في ساعات الذروة.

غير أن هذه المرونة لا ينبغي أن تأتي على حساب السلامة والحقوق، كما أن استمرار «الكدادة» أمام بوابات المطارات ومحطات السفر قد يتسبب في إرباك حركة النقل المنظمة، ويخلق تفاوتاً بين خدمات تخضع للرقابة والاشتراطات وأخرى تعمل خارج الأطر التنظيمية.

ضرورة تنظيم «الكدادة».. من الممارسة العشوائية إلى خدمة منظمة

مع اتساع منظومة النقل الحديثة، تبدو الحاجة قائمة إلى معالجة ظاهرة «الكدادة» من خلال التنظيم لا التجاهل. فبدلاً من بقائها ممارسة غير منظمة، يمكن بحث آليات تتيح الاستفادة من مرونتها وسرعتها، مع إخضاع المركبات والسائقين للاشتراطات اللازمة، وتنظيم الأسعار، وتوثيق الرحلات، وحفظ حقوق الركاب. ما يضمن أن تتحول هذه الممارسة القديمة إلى خدمة أكثر أماناً وموثوقية، وتنسجم مع التطور الذي يشهده قطاع النقل.

«الكدادة».. ظاهرة لا تزال تفرض حضورها

ف«الكدادة» لم تعد مجرد مهنة شعبية مرتبطة بذكريات الماضي، بل ظاهرة لا تزال تفرض حضورها في بعض المواقع، ما يجعل تنظيمها ومعالجة سلبياتها أكثر جدوى من تركها خارج منظومة النقل الحديثة.

الحاجة لا تجعل النقل العشوائي مشروعاً

المحامي والمستشار القانوني محمد البارقي يرى أن الأصل النظامي في ممارسة نشاط نقل الركاب هو الحصول على الترخيص اللازم واستيفاء الاشتراطات التي تضمن سلامة الراكب وتنظم العلاقة بين مقدم الخدمة والمستفيد. وأوضح أن ممارسة الفرد نقل الركاب مقابل أجر بصورة منتظمة وخارج الأطر النظامية لا تتحول إلى ممارسة مشروعة لمجرد أن المركبة خاصة أو أن الراكب وافق على الرحلة.

وأشار البارقي إلى أن أهمية التنظيم لا تقتصر على الجانب الإداري أو الاقتصادي، وإنما تمتد إلى حماية الراكب. فالناقل النظامي يعمل ضمن منظومة يمكن من خلالها معرفة بياناته وبيانات المركبة، بينما يؤدي النقل غير المرخص إلى إضعاف وسائل التحقق والمتابعة، خصوصاً في الحالات التي تنشأ فيها مشكلة أثناء الرحلة.

ضبط «المنادي» قبل الرحلة.. تحول في الاستراتيجية الرقابية

لمواجهة الظاهرة، كثفت الهيئة العامة للنقل حملاتها الرقابية على ممارسات نقل الركاب دون الحصول على ترخيص، مؤكدة أن الرقابة لم تعد تركز فقط على السائق الذي ينقل الراكب فعلياً، وإنما تمتد كذلك إلى ما تصفه الأنظمة بـ«الأعمال التحضيرية» للنقل غير المرخص.

وفي أحدث حملاتها المعلنة، كشفت الهيئة عن ضبط 1550 مخالفاً لممارسة نشاط نقل الركاب دون الحصول على ترخيص خلال أسبوع واحد في مختلف مناطق السعودية. وطبقت بحقهم الإجراءات النظامية التي شملت حجز المركبات وإيقاع الغرامات المالية وإبعاد غير السعوديين.

تفريق مهم في التعامل مع المخالفات

وتوزعت الضبطيات خلال الأسبوع ذاته بين 897 مخالفاً مارسوا الأعمال التحضيرية المتمثلة في «المناداة» لاستقطاب الركاب ونقلهم باستخدام مركباتهم الخاصة دون ترخيص، و653 مخالفاً قاموا فعلياً بنقل الركاب بطرق غير نظامية.

ويعكس هذا التفريق تحولاً مهماً في التعامل التنظيمي مع الظاهرة؛ إذ لا تنتظر الجهات الرقابية بالضرورة اكتمال الرحلة وصعود الراكب إلى السيارة حتى تتدخل، وإنما أصبح مجرد ممارسة الأعمال التحضيرية لاستقطاب الركاب دون ترخيص داخلاً في نطاق المخالفات.

عقوبات صارمة.. من الغرامة إلى بيع المركبة

طبقاً لما أعلنته الهيئة، تصل العقوبة عند تكرار ممارسة الأعمال التحضيرية، أو ما يعرف بـ«المناداة»، إلى غرامة مالية قدرها 11 ألف ريال مع حجز المركبة لمدة تصل إلى 25 يوماً. أما في حال ممارسة نقل الركاب بصورة غير نظامية فعلياً، فتصل العقوبة عند التكرار إلى غرامة قدرها 20 ألف ريال وحجز المركبة لمدة تصل إلى 60 يوماً.

ولا تقف الإجراءات عند الغرامة والحجز في حالات التكرار؛ إذ أشارت الهيئة إلى إمكانية بيع المركبة المخالفة في مزاد علني، إلى جانب إبعاد غير السعودي في حال تكرار المخالفة وفق ما تقضي به الأنظمة.

المطارات.. نقطة حساسة في مكافحة الظاهرة

وتحظى المطارات بأهمية خاصة في جهود مكافحة الظاهرة، باعتبارها من أكثر المواقع التي تشهد وصول أعداد كبيرة من المسافرين، وبالتالي وجود طلب مستمر على خدمات النقل. وسبق للهيئة أن أعلنت عن تكثيف حملاتها في المطارات لضبط المخالفين الذين يمارسون نشاط نقل الركاب دون ترخيص.

رأي المسافرين.. غياب الضمانات هو المشكلة الحقيقية

المسافرون يرون أن المشكلة الأساسية في «الكدادة» لا تتمثل فقط في مخالفة التنظيم، وإنما في غياب الضمانات التي يفترض أن تصاحب أي خدمة نقل للركاب. ويقول أنس محمد إن ظهور أشخاص يعرضون نقل الركاب مباشرة بعد خروجهم من المطار أو في محيط محطات النقل يُمثّل تجربة غير مريحة للمسافر، خصوصاً لمن يسافر مع عائلته.

ويشير إلى أن الراكب عندما يستخدم وسيلة نقل نظامية أو تطبيقاً معتمداً تكون لديه معلومات عن السائق والمركبة والرحلة، ويمكن الرجوع إليها عند الحاجة، بينما لا تتوافر الضمانات نفسها عند الركوب مع شخص لا يعرفه.

«كداد» يبحث عن دخل إضافي.. التنظيمات تضعه في مأزق

في الجانب الآخر من الظاهرة، يقول أحد ممارسي «الكدادة» إنه لجأ إلى نقل الركاب بصورة غير نظامية بحثاً عن مصدر دخل إضافي، موضحاً أن مركبته لا تتطابق مع بعض الاشتراطات المطلوبة للتسجيل والعمل من خلال شركات وتطبيقات نقل الركاب المعتمدة. ويقر بأن التنظيمات وضعت لأسباب تتعلّق بالسلامة وحماية الركاب، لكنه يرى أن الحاجة إلى زيادة الدخل دفعته إلى الاستمرار في هذا النشاط رغم معرفته بأنه مخالف.

النسيان وفقدان المستلزمات.. أخطر ما في «الكدادة»

من أبرز الإشكالات التي يثيرها الركاب توثيق الرحلة. فعند استخدام وسيلة نقل نظامية أو خدمة نقل عبر تطبيق، ترتبط الرحلة عادة ببيانات السائق والمركبة ووقت الرحلة ومسارها. أما في الرحلات التي تتم بصورة مباشرة مع ناقل غير مرخص، فلا يمتلك الراكب أي بيانات موثقة عن الشخص أو المركبة أو الرحلة.

وفي حال نسيان حقيبة أو هاتف داخل المركبة، أو حدوث خلاف على الأجرة، أو تغيير مسار الرحلة، تصبح قدرة الراكب على إثبات تفاصيل الرحلة أو تحديد الجهة المسؤولة أكثر تعقيداً.

المطار ومحطات النقل.. واجهة أولى للمدينة

الظاهرة لا تقف عند حدود منافسة سيارات الأجرة أو تطبيقات النقل، وإنما ترتبط بحق الراكب في معرفة هوية من ينقله، وسلامة المركبة، وتوثيق الرحلة، ووجود جهة يمكن الرجوع إليها عند وقوع مشكلة. ومن هنا تأتي أهمية الحملات الرقابية التي تستهدف «الكدادة» و«المناداة»، إذ إن تنظيم النشاط لا يستهدف السائق وحده، بل يحمي الراكب ويضمن عدالة المنافسة أمام مقدمي خدمات النقل المرخصين.

ومع تشديد العقوبات وتوسيع نطاق الضبط ليشمل حتى الأعمال التحضيرية لاستقطاب الركاب، تبدو الرسالة التنظيمية أكثر وضوحاً: نقل الركاب نشاط منظم، وليس خدمة يمكن تقديمها بصورة عشوائية.

تحليل ذكي:

تسلط هذه التحقيقات الضوء على ظاهرة «الكدادة» في النقل الأهلي، التي ما زالت حاضرة رغم التطور الكبير في منظومة النقل الحديثة. وتكشف عن تناقض بين مرونة هذه الخدمة وسهولة الحصول عليها من جهة، وبين غياب الضمانات اللازمة لحماية حقوق الركاب من جهة أخرى. فبينما توفر «الكدادة» سرعة ومرونة لا تتوافر دائماً في الوسائل النظامية، فإنها تفتقر إلى آليات التنظيم التي تضمن سلامة المركبات والسائقين، وتنظيم الأسعار، وتوثيق الرحلات، وحفظ حقوق الركاب. كما تبرز التحقيقات الدور الحيوي للهيئة العامة للنقل في مكافحة الظاهرة من خلال حملات رقابية صارمة، تشمل حتى الأعمال التحضيرية للنقل غير المرخص، ما يعكس تحولاً في الاستراتيجية التنظيمية نحو منع المخالفة قبل وقوعها. وتكشف شهادات الركاب والسائقين عن دوافع اقتصادية واجتماعية وراء استمرار الظاهرة، لكنها في الوقت ذاته تؤكد على ضرورة تنظيمها لضمان سلامة المسافرين وحماية حقوقهم.

ملخص الخبر:

  • «الكدادة» ظاهرة نقل أهلي قديمة ما زالت حاضرة رغم التطور في منظومة النقل الحديثة.
  • تعتمد «الكدادة» على مركبات خاصة لا تخضع دائماً لمعايير السلامة والتنظيم.
  • غياب آلية موحدة لتحديد أجور الرحلات قد يؤدي إلى مبالغات في الأسعار.
  • عدم وجود سجل رسمي للرحلة أو عقد يحدد حقوق الركاب يضعهم في موقف ضعيف عند حدوث مشاكل.
  • «الكدادة» توفر مرونة وسرعة لكنها قد تعرّض السلامة والحقوق للخطر.
  • الهيئة العامة للنقل كثفت حملاتها الرقابية لضبط ممارسات نقل الركاب دون ترخيص.
  • تم ضبط 1550 مخالفاً لممارسة نشاط نقل الركاب دون ترخيص خلال أسبوع في مختلف مناطق السعودية.
  • العقوبات تصل إلى غرامات مالية وحجز المركبات، وفي حالات التكرار قد تصل إلى بيع المركبة في مزاد علني.
  • المسافرون يرون أن غياب الضمانات هو المشكلة الأساسية في «الكدادة»، وليس فقط مخالفة التنظيم.
  • بعض ممارسي «الكدادة» يلجأون إليها بحثاً عن دخل إضافي بسبب عدم استيفاء مركباتهم الاشتراطات النظامية.

التعليقات (0)

أضف تعليقك