عاجل

العلاج بالصدمة.. وهم تجاري يخفي وراءه استغلالاً نفسياً قاسياً

تحقيق «عكاظ» يكشف كيف تحولت معاناة الناس من صدمات نفسية إلى سلعة ربحية في عيادات «التفريغ العاطفي»

صورة توضح جلسة علاج نفسي زائفة في إحدى عيادات «التفريغ العاطفي»، حيث يجلس شخصان في غرفة خافتة الإضاءة، بينما يبدو أحد المشاركين في حالة بكاء، مما يبرز الاستغلال التجاري للمعاناة النفسية.

انتشرت مؤخراً موجة من الجلسات التي تُسوّق تحت مسمى «التخلّص من الصدمات» أو «تفريغ الشحنات»، لكن تحقيق «عكاظ» يكشف أن ما يجري خلف الكواليس ليس علاجاً، بل استغلالاً تجارياً فاضحاً يستهدف أضعف الفئات في المجتمع، ويقدّم الوهم في صورة حل سحري، بينما يفتقر تماماً إلى أي أساس علمي أو إشراف مهني. فما هي حقيقة هذه الجلسات؟ ومن يقف وراءها؟

«جلسات البكاء».. سلعة ربحية أم علاج زائف؟

باتت عيادات «التفريغ العاطفي» أو «جلسات البكاء» ظاهرة متزايدة في المملكة، تُروّج لها منصات التواصل الاجتماعي والعيادات الخاصة بعبارات فضفاضة مثل «تحرير الألم العالق» و«تفريغ الشحنات»، وتُباع بأسعار خيالية تصل إلى 1400 ريال للساعة الواحدة. إلا أن التحقيقات الميدانية لـ«عكاظ» كشفت أن هذه الجلسات لا تعدو كونها طقوساً جسدية وتنفسية تُقدَّم خارج أي إطار علمي، من قبل أشخاص لا يمتلكون أي مؤهلات علاجية معتمدة.

وفي جولة داخل إحدى هذه العيادات، تبيّن أن الجلسات تقوم على مبدأ ترك «الجسد يحرّر ما يشاء» دون أي تشخيص أو تقييم مهني، معتمدين على وعود بالشفاء التام، في ظل غياب أي رقابة أو معايير علمية. فما هي المخاطر النفسية والمهنية التي تحيط بهذه الممارسات؟ وكيف تحول معاناة الناس إلى فرصة ربحية؟

اقرأ أيضاً:
ألم المرضى وأنينهم ثمن الإهمال الطبي

«العلاج» الذي لا علاج فيه

أكد مختصون في علم النفس والاجتماع أن تحويل الألم الإنساني إلى «سلعة» يُباع ويُشترى يعد انتهاكاً أخلاقياً خطيراً، خصوصاً عندما تُقدَّم هذه الجلسات بوعود شفاء مطلقة تستهدف أشخاصاً في لحظات ضعفهم. فـ«جلسات البكاء» أو «التفريغ العاطفي» لا تعدو كونها استجابة طبيعية للتعبير عن المشاعر، وليس علاجاً نفسياً بالمعنى العلمي.

ويشير الدكتور ماجد الهذلي، الأخصائي الاجتماعي، إلى أن العلاج النفسي الحقيقي للصدمة يستند إلى تدخلات منظمة مثل العلاج المعرفي السلوكي أو علاج «EMDR»، التي تتضمن تقييماً تشخيصياً دقيقاً وتنظيماً للانفعالات، بينما تفتقر الجلسات التجارية إلى أي من هذه العناصر. بل إن الدراسات تشير إلى أن التدخلات غير المنظمة قد تُعيد تنشيط التجربة الصدمية وتزيد من حدة الأعراض مثل القلق والاكتئاب.

مخاطر لا تُحتمل.. من الاعتماد العاطفي إلى تفاقم الحالة

تحذّر الدكتورة لطيفة الحمد، الأخصائية الاجتماعية، من خطورة فتح المشاعر العميقة دون أدوات احتواء، مما قد يُعيد تنشيط الصدمة بدلاً من علاجها. كما تحذّر من أن غياب التقييم المهني قد يؤدي إلى الخلط بين الحزن الطبيعي واضطرابات الصدمة، فضلاً عن خلق اعتماد نفسي على راحة مؤقتة قد تؤخر الوصول إلى العلاج الفعلي.

لا تفوتك هذه القصة:
حدود الإعلام الرقمي.. هل تحمي القيم أم تقيّد الحريات

ويؤكد الدكتور جمال الطويرقي، أستاذ الطب النفسي، أن جائحة كورونا أسهمت في انتشار هذه الظاهرة، حيث بات كثير من المرضى يتلقون جلسات علاجية عبر الهاتف من معالجين في دول مختلفة، رغم غياب أي رقابة. وأشار إلى أن الدراسات أثبتت أن هذه الممارسات قد تفاقم الحالة النفسية وتؤدي إلى نتائج كارثية مثل الانتحار أو الطلاق.

«البكاء مفيد.. لكن!».. متى يصبح التفريغ ضاراً؟

تؤكد الدكتورة مرام الراشد، الأخصائية النفسية الإكلينيكية، أن البكاء قد يكون مفيداً في بعض الأحيان، لكنه لا يعدو كونه راحة مؤقتة إذا لم يكن جزءاً من علاقة علاجية مهنية قائمة على الثقة. فـ«جلسات البكاء» التجارية، التي تُقدَّم مقابل مبالغ مالية، لا تحقق أياً من أهداف العلاج النفسي، مثل رفع الوعي أو تغيير السلوك أو تنظيم المشاعر.

وتحذّر الراشد من أن هذه الجلسات قد تسبب صدمة إضافية للمراجع، مؤكدة أن البكاء لا يتجاوز نسبته 21% في العلاج النفسي وفقاً للمعايير العالمية، وأن الاعتماد عليه كعلاج مستقل يعد تضليلاً خطيراً.

استغلال الألم.. من «العلاج» إلى «السلعة»

يرى الإعلامي فواز المالحي أن الإعلانات المروجة لهذه الجلسات تعتمد غالباً على تجارب مبالغ فيها، بهدف تحقيق مكاسب مالية بعيداً عن أي معايير مهنية. ويؤكد أن الفضول يدفع كثيرين لخوض هذه التجارب دون إدراك لطبيعتها أو تبعاتها، مما يبرز الدور الحيوي للإعلام في التوعية.

ويشير مختصون إلى أن التفريغ العاطفي اللحظي يختلف جذرياً عن بروتوكولات علاج الصدمات المعتمدة علمياً، فالعلاج النفسي عملية تراكمية تتطلب تشخيصاً دقيقاً وخطة علاجية واضحة، ولا يمكن اختزالها في جلسة واحدة أو وعود بالشفاء السريع.

«الرقابة غائبة.. والمعاناة تُباع».. كيف تحمي نفسك؟

كشف التحقيق أن أسعار هذه الجلسات تتراوح بين 650 و1400 ريال، مما يثير تساؤلات حول استغلال حاجة الناس النفسية في ظل ضعف الرقابة على المحتوى الإعلاني. ويؤكد الإعلامي جيلاني الشمراني أن الإعلام يتحمّل مسؤولية متزايدة في كشف الممارسات المضللة، خصوصاً عندما تُقدَّم تحت عناوين جذابة ووعود كبيرة.

ويحذّر الخبراء من عدم الاعتماد على أي علاج نفسي إلا بعد التحقق من رخصة الممارس وانتمائه لجهة رسمية، مشددين على ضرورة التمييز بين الدراسة الأكاديمية والدورات القصيرة غير المؤهلة.

«العلاج النفسي مسؤولية.. لا تجارة».. رسالة للمجتمع

ختاماً، يحذّر المختصون من خطورة تحويل المعاناة الإنسانية إلى سلعة ربحية، مؤكدين أن العلاج النفسي الحقيقي يجب أن يرتكز على الصدق العلمي والمسؤولية المهنية. فـ«جلسات البكاء» قد تمنح راحة مؤقتة، لكنها لا تعدو كونها وهماً إذا لم تكن جزءاً من خطة علاجية متكاملة تحت إشراف مختصين مرخّصين.

ويؤكد الدكتور عبدالمحسن الحنّان، الأخصائي الاجتماعي، أن استغلال الأشخاص الذين يمرون بصدمات نفسية يعد انتهاكاً أخلاقياً واضحاً، مطالباً بضرورة التوعية بالفارق بين الدعم النفسي المؤقت والعلاج المتخصص القائم على أسس علمية معتمدة.

تحليل ذكي:

تسلط هذه الظاهرة الضوء على أزمة متنامية في المجتمع العربي، حيث تتحول المعاناة النفسية إلى سلعة ربحية في ظل غياب الرقابة الفعالة. فـ«جلسات البكاء» أو «التفريغ العاطفي» ليست سوى استغلالاً تجارياً فاضحاً يستهدف أضعف الفئات، في حين أن العلاج النفسي الحقيقي يتطلب تدخلات منظمة ومهنية. وتكشف التحقيقات عن فجوة خطيرة بين الوعي المجتمعي بهذه الممارسات وبين الحاجة الماسة إلى حماية الأفراد من الاستغلال النفسي والمهني. كما تبرز أهمية دور الإعلام في كشف الممارسات المضللة وتوعية الجمهور، خصوصاً في ظل انتشار المحتوى الإعلاني عبر منصات التواصل الاجتماعي، التي تفتقر غالباً إلى الرقابة اللازمة.

ملخص الخبر:

  • انتشار عيادات «التفريغ العاطفي» أو «جلسات البكاء» بوعود علاجية غير علمية بأسعار تصل إلى 1400 ريال للساعة.
  • الجلسات تعتمد على طقوس جسدية وتنفسية دون أي تشخيص أو تقييم مهني، من قبل أشخاص غير مؤهلين.
  • مختصون يحذّرون من خطورة تحويل الألم الإنساني إلى سلعة ربحية، خصوصاً في ظل غياب الرقابة.
  • العلاج النفسي الحقيقي للصدمة يستند إلى تدخلات منظمة مثل العلاج المعرفي السلوكي أو علاج «EMDR».
  • الدراسات تشير إلى أن التدخلات غير المنظمة قد تُعيد تنشيط الصدمة وتزيد من حدة الأعراض النفسية.
  • جائحة كورونا أسهمت في انتشار هذه الظاهرة، حيث بات المرضى يتلقون جلسات علاجية عبر الهاتف من معالجين غير مرخّصين.
  • الإعلام يتحمّل مسؤولية متزايدة في كشف الممارسات المضللة وتوعية الجمهور بطرق التحقق من هوية المعالجين.
  • استغلال الأشخاص في لحظات ضعفهم يعد انتهاكاً أخلاقياً خطيراً، مطالبين بضرورة التوعية بالفارق بين الدعم النفسي والعلاج المتخصص.

التعليقات (0)

أضف تعليقك