عاجل

الشيشكلي ورؤية الاستقلال الحقيقي.. دولة فوق الإملاءات الأجنبية

كتاب «الحقيقة المغيبة» يكشف جوانب جديدة في تجربة الرئيس السوري أديب الشيشكلي، بعيدًا عن صورة الانقلابات العسكرية

صورة للرئيس السوري أديب الشيشكلي خلال فترة حكمه، تجسد رجل دولة سعى لبناء اقتصاد مستقل ومؤسسات وطنية قوية

عندما يُذكر اسم الرئيس السوري أديب الشيشكلي، تبرز صورة العسكري الذي حكم سورية في مطلع الخمسينيات، لكن وراء هذه الصورة يخفي كتاب «الحقيقة المغيبة» لرفيق برازي وسعد فنصة تجربة أخرى لم تنل حقها من الدراسة: رجل دولة سعى لبناء اقتصاد منتج ومؤسسات مستقلة وسياسة خارجية تضع القرار السوري فوق كل الإملاءات الأجنبية.

رجل دولة لا عسكري انقلابي

يروي الكتاب أن الشيشكلي لم يكن مجرد عسكري، بل كان رجل دولة رأى في الاستقلال أكثر من خروج القوات الأجنبية، بل بناء اقتصاد قادر على الإنتاج ونقد وطني مستقل ودولة تتعامل مع الخارج من موقع السيادة.

نهضة زراعية غير مسبوقة

يبرز الكتاب في طبعته الجديدة والمزيدة أن الشيشكلي أعطى الزراعة أولوية كبرى في مشروعه الإصلاحي، من خلال تشريعات لتنظيم الأراضي واستصلاحها وتوفير البذار ودعم المصرف الزراعي. فقد ارتفعت مساحة الأراضي المزروعة من 2.314 مليون هكتار عام 1946–1947 إلى 3.688 مليون هكتار عام 1952–1953، بزيادة تقارب 59%. كما ارتفعت الأراضي المروية من 237 ألف هكتار إلى 400 ألف هكتار، بزيادة 69%، مما يعكس تحولًا زراعيًا كبيرًا.

اقرأ أيضاً:
استشهاد 30 وإصابة 60 من الحوثيين في جبهات تعز

دولة حديثة بين الصناعة والإدارة

لم يقف الإصلاح عند الزراعة، بل شمل تشجيع الصناعة الوطنية وحماية الإنتاج المحلي وتنظيم التجارة الداخلية ومواجهة الاحتكار. كما رافق ذلك إصلاح إداري وضريبي، بما في ذلك ضرائب تصاعدية على الدخل والعقارات، وتحسين أوضاع العاملين في الدولة، وتنظيم الإدارة العامة على أسس أكثر حداثة.

استقلال نقدي وسيادة مالية

من أبرز إنجازات تلك المرحلة، بحسب الكتاب، تحرير السياسة النقدية السورية من التبعية الأجنبية، وتنظيم سوق القطع، ووضع التشريعات التي أسست لمصرف سورية المركزي. وقد نظر إلى هذه الخطوات باعتبارها جزءًا من مفهوم أوسع للسيادة: أن تمتلك الدولة قرارها المالي كما قرارها السياسي.

شراكة عربية مبكرة مع السعودية

يتناول الكتاب علاقة سورية بالسعودية، مشيرًا إلى أن القرض الأجنبي الوحيد الذي تعاقدت عليه سورية في تلك الفترة كان من المملكة عام 1950 بقيمة ستة ملايين دولار. لكن الأهمية لم تكن في القيمة، بل في الصيغة التي اقترنت باتفاق تجاري يسمح بتسديد القرض من خلال الصادرات السورية، مما فتح سوقًا للمنتجات السورية دون وصاية سياسية.

لا تفوتك هذه القصة:
الأردن وفرنسا توقعان اتفاقية دفاعية تاريخية في باريس

صداقة مع أمريكا من موقع الندية

يظهر الكتاب أن الشيشكلي لم يكن معاديًا للغرب، بل كان مستعدًا للتعاون مع واشنطن عندما يخدم مصالح سورية. لكنه وضع خطًا أحمر: لا مساعدة على حساب السيادة. فقد رفض عروض مساعدات أمريكية عندما حملت شروطًا تمس الاستقلال السوري، كما لم يلجأ إلى المساعدة الروسية رغم رفضه للغرب.

واقعية في التعامل مع إسرائيل

في موقف الشيشكلي من إسرائيل، يظهر الكتاب أنه تعامل مع وجودها باعتباره أمرًا واقعًا، لكنه رفض التخلي عن الحقوق العربية. طالب باحترام قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بفلسطين واللاجئين والحدود والقدس، ورأى أن الضغط السياسي والاقتصادي يمكن أن يجبر إسرائيل على الالتزام بالقرارات الدولية.

موقف حازم في مياه الأردن

عند الحديث عن حقوق سورية في مياه نهر الأردن، رفض الشيشكلي أي اتفاق لا يعترف بحق سورية الكامل في المياه، وأكد أن سورية ستستخدم كل الوسائل المتاحة للدفاع عن حقوقها، حتى لو استلزمت استخدام الفيتو السوفيتي في مجلس الأمن كأداة لحماية الحق السوري.

قوة العرب قبل القواعد الأجنبية

أكد الشيشكلي أن حماية المنطقة تبدأ بتقوية الجيوش العربية وتمكين الشعوب من الدفاع عن أراضيها، لا بإقامة قواعد أجنبية. كما انتقد مطالبة العرب بالانضمام إلى منظومات دفاع غربية بينما القضية الفلسطينية بلا حل عادل.

رؤية متوازنة للوحدة العربية

آمن الشيشكلي بوحدة عربية، لكنه أدرك أن عقودًا من الانتداب والتقسيم خلقت دولًا ومصالح مختلفة، لذا دعا إلى بناء الوحدة تدريجيًا ومتينًا، لا إلى شعارات سريعة.

دولة مستقلة اقتصاديًا وسياسيًا

يخلص الكتاب إلى أن الشيشكلي لم يكن مجرد ضابط انقلابي، بل كان رجل دولة حاول نقل سورية من مرحلة الاحتفال بالسيادة إلى مرحلة امتلاك أدواتها: اقتصاد منتج، نقد مستقل، مؤسسات وطنية، جيش قادر، وسياسة خارجية تضع المصلحة السورية فوق كل الاعتبارات.

تحليل ذكي:

يقدم كتاب «الحقيقة المغيبة» صورة مغايرة للرئيس السوري أديب الشيشكلي، بعيدًا عن الصورة النمطية للانقلابات العسكرية. فبدلًا من التركيز على الجانب العسكري، يكشف الكتاب عن رجل دولة سعى لبناء دولة قوية اقتصاديًا ومؤسساتيًا، مع الحفاظ على استقلال القرار السوري في مواجهة الإملاءات الأجنبية. وتبرز في الكتاب رؤية الشيشكلي للزراعة والصناعة والإدارة، بالإضافة إلى سياسته الخارجية التي جمعت بين الانفتاح على العالم والحفاظ على السيادة الوطنية. كما يظهر الكتاب أن الشيشكلي لم يكن تابعًا لأي معسكر، بل سعى لبناء علاقة متوازنة مع الغرب والشرق، مع رفض أي شروط تمس استقلال سورية.

ملخص الخبر:

  • أديب الشيشكلي لم يكن مجرد عسكري، بل رجل دولة سعى لبناء اقتصاد مستقل ومؤسسات وطنية قوية
  • أعطى الزراعة أولوية كبرى في مشروعه الإصلاحي، مما أدى إلى زيادة كبيرة في المساحات المزروعة والمروية
  • شمل الإصلاح الصناعة الوطنية والإدارة الضريبية وتنظيم التجارة الداخلية
  • حقق استقلالًا نقديًا بإنشاء مصرف سورية المركزي وتنظيم السياسة النقدية بعيدًا عن التبعية الأجنبية
  • تعاقد سورية مع السعودية عام 1950 للحصول على قرض بقيمة ستة ملايين دولار، بشرط أن يكون تسديده من خلال الصادرات السورية
  • تعامل مع الولايات المتحدة من موقع الندية، ورفض مساعدات أجنبية تحمل شروطًا تمس السيادة السورية
  • دعا إلى احترام قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين واللاجئين والحدود والقدس، دون التخلي عن الحقوق العربية
  • رفض أي اتفاق بشأن مياه نهر الأردن لا يعترف بحق سورية الكامل فيها
  • آمن بأن حماية المنطقة تبدأ بتقوية الجيوش العربية، لا بإقامة قواعد أجنبية
  • دعا إلى بناء الوحدة العربية تدريجيًا، بعيدًا عن الشعارات السريعة

التعليقات (0)

أضف تعليقك