السعودية رائدة عالمياً في فن إدارة الحشود خلال موسم الحج والعمرة
كيف حولت المملكة إدارة الحشود إلى علم متقدم يُدرس ويُحتذى به عالمياً خلال موسم الحج والعمرة؟
نجحت المملكة العربية السعودية في تحويل إدارة الحشود خلال موسم الحج والعمرة إلى نموذج عالمي رائد، يجمع بين التقنية المتقدمة والخبرة التراكمية، لضمان سلامة ملايين الحجاج من مختلف أنحاء العالم في مساحة محدودة وزمن قياسي، مما جعلها محط أنظار الخبراء والدول الأخرى.
التحول من التنظيم إلى العلم
منذ سنوات، لم تعد إدارة الحشود في المملكة مجرد عملية تنظيمية تقليدية، بل أصبحت علماً قائماً على البحث الأكاديمي والتقنيات الحديثة، حيث تفوقت المملكة عملياً في هذا المجال من خلال تحقيق إنجازات متتالية وتطوير مشاريع رائدة عالمياً، خاصة في إدارة الحشود خلال موسم الحج والعمرة.
وتعد إدارة الحشود عنصراً حيوياً لضمان سلامة الحجاج أثناء تأدية مناسكهم في منطقة محدودة وخلال فترة زمنية قصيرة، إذ يتوافد سنوياً نحو مليوني حاج من 164 جنسية مختلفة إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة. وتعمل الجهات المعنية على منع التدافع والاختناقات، وتنظيم حركة الحشود بين المشاعر المقدسة، مع سرعة الاستجابة لأي أزمات صحية أو أمنية، بالاستفادة من التقنيات المتطورة لتحسين دقة التوقعات واتخاذ القرارات على أرض الواقع.
الخبرة السعودية.. نموذج يُحتذى به
على مدار السنوات الماضية، نجحت السعودية في تطوير تقنيات إدارة الحشود وامتلكت خبرة تراكمية فريدة في التعامل مع الكتل البشرية، حيث تدير حجاجاً يمثلون ثقافات ولغات وسلوكيات متنوعة في فترة زمنية قصيرة ومواقع محددة داخل المشاعر المقدسة.
وأصبحت التجربة السعودية في إدارة الحشود خلال موسمي الحج والعمرة نموذجاً عالمياً في التنظيم البشري المتقدم، يُقتدى به في مختلف الدول، لما توفره من منهجية واضحة تضع الإنسان في صدارة الأولويات، تأكيداً لمقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ النفس الإنسانية. وقد تحقق ذلك في حج استثنائي، نتج عن تراكم الخبرات والتجارب في إدارة الحشود وتنظيم مواسم الحج.
دعم رؤية 2030.. إدارة الحشود ركيزة أساسية
تمثل إدارة الحشود إحدى الدعائم الرئيسية لرؤية المملكة 2030، التي تستهدف استضافة 100 مليون زيارة وأكثر من 30 مليون حاج ومعتمر بحلول عام 2030. وتعتبر هذه الإدارة من أصعب علوم الإدارة، نظراً لتنوع الثقافات واللغات والسلوكيات التي تتطلبها، وهو ما دفع العديد من الدول للاستفادة من التجربة السعودية في هذا المجال.
وقد جعلت المملكة من إدارة الحشouds البشرية علامة فارقة، حيث تشهد العالم قدرتها على تنظيم ملايين البشر خلال موسمي الحج والعمرة، مستفيدة من طاقاتها البشرية والمادية لاستقبال ملايين المعتمرين والحجاج من مختلف أنحاء العالم، مما أكسب القائمين على خدمتهم خبرة تراكمية ومعرفية فريدة.
التميز الإنساني في ظل التنوع الثقافي
في ظل تعدد ثقافات الحجاج ولغاتهم، أظهرت الجهات الأمنية في المملكة تميزاً كبيراً في إدارة الحشود البشرية، حفاظاً على أمنهم وراحتهم في زمن قياسي ومساحة محدودة. وتنفرد المملكة بتنظيم أفواج مليونية خلال مواسم الحج والعمرة، وهو أمر بات اعتيادياً لديها، مهما بلغ عدد الزائرين أو الموسم.
وقد هيأت الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي جميع الإمكانات لخدمة ضيوف الرحمن، وجندت الكفاءات البشرية والتقنية لهذا الغرض، مما جعل من إدارة الحشود تجربة إنسانية راقية، تظهر في العديد من المواقف، مثل رؤية رجل الأمن تحت شمس حارقة وهو يؤدي رسالته باحترافية وإنسانية، مؤكداً أن ضيوف الرحمن في مأمن ورعاية.
التقنيات الحديثة.. نقلة نوعية في الإدارة
المنصة الذكية.. رؤية شاملة للمشاعر المقدسة
أطلقت وزارة الداخلية ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (كاكست) منصة ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي، تمثل نقلة نوعية في تكامل التقنيات الحديثة للمراقبة والاستطلاع، لدعم متخذي القرار في إدارة الحشود وتأمين سلامة ضيوف الرحمن.
وتعتمد المنصة على تقنيات متطورة تجمع بين الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية لتحليل الصور الفضائية بدقة عالية، مما يوفر رؤية شاملة للحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة. كما تمثل المنصة نموذجاً طموحاً للتحول الرقمي ضمن مستهدفات رؤية 2030، وتجسد التزام المملكة بتوظيف أحدث التقنيات العالمية لخدمة ضيوف الرحمن.
وتقدم المنصة رؤية متكاملة للمشهد العام في إدارة الحشود الضخمة خلال مواسم الحج والعمرة، وتسهم في رفع كفاءة تقنيات المراقبة والاستطلاعات الأمنية، وتحسين الاستجابة الميدانية من خلال تزويد الجهات المختصة بإحصاءات وبيانات متكاملة. كما تعمل على رصد التغيرات في درجات الحرارة، خصوصاً للجزر الحرارية، إضافة إلى رصد الأنماط غير النظامية.
الذكاء الاصطناعي والجيو مكاني.. رصد وتحليل الكتل البشرية
تستخدم الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، بالتعاون مع مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، تقنيات الصور الفضائية عالية الدقة والذكاء الاصطناعي الجيو مكاني (GeoAI) لرصد وتحليل الحركة البشرية والمرورية خلال موسم الحج.
ويشمل نطاق التحليل مداخل مكة لمراقبة تدفقات المركبات وأوقات الذروة، والمنطقة المركزية لتتبع كثافة الحشود حول المسجد الحرام، وطرق المشاعر من خلال تحليل التنقلات، إضافة إلى التنبؤ بمواقع التكدس. ويهدف هذا التعاون إلى دعم اتخاذ القرارات الفورية من خلال توفير بيانات دقيقة، وتحسين توزيع الحشود، وضمان التنقل الآمن، وتعزيز التنسيق بين الجهات التشغيلية ميدانياً.
نماذج التعلم الآلي.. تحليل كثافة الحشود
اضطلع معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة بجامعة أم القرى بدور رئيسي في إدارة الحشود، من خلال تطوير نماذج التعلم الآلي التي تساعد في تحليل كثافة الحشود في عدة أماكن خلال مناسك الحج.
وعمل الباحثون على تطوير هذه النماذج باستخدام تقنيات التعلم الآلي لتحليل مقاطع الفيديو من موسم الحج، وتصنيف كثافة الحشود إلى مستويات مختلفة، مما يساعد في تحديد المناطق ذات الكثافة العالية وتنبيه الجهات المعنية لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
الذكاء الاصطناعي في إدارة الأمن
تستخدم وزارة الداخلية، ممثلة في المديرية العامة للأمن العام، بالتعاون مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، خوارزميات الذكاء الاصطناعي عبر منصتي «سواهر» و«بصير»، لرفع مستوى الدقة في رصد الظواهر الأمنية في المسجد الحرام والمشاعر المقدسة.
وتستلزم أوقات الذروة طوال العام استعداداً مضاعفاً لإدارة الحشود، وتقدم الإدارة العامة للحشود والتفويج التابعة للهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي جهوداً منظمة على مدار الساعة، تتسم بالمرونة والتكامل مع الجهات المختصة، لتيسير عملية التفويج وإدارة الحشود.
مركز SMART MOC.. قلب التقنية في إدارة الحج
يعد مركز عمليات مكة الذكية (SMART MOC) إحدى الركائز التشغيلية التقنية المتقدمة، التي تعزز قدرات منظومة الحج من الجهات الحكومية العاملة في خدمة ضيوف الرحمن. ويهدف المركز إلى إدارة ومراقبة الأنظمة والمنصات المتقدمة التي تشرف عليها «سدايا»، لرفع مستوى الخدمات الرقمية المقدمة لحجاج بيت الله الحرام.
ويعزز المركز مهمات إدارة الحشود والقدرات الأمنية في المشاعر المقدسة من خلال منظومة متكاملة تشمل منصة «بصير ظخ»، التي تعالج البيانات بشكل لحظي باستخدام تقنيات وخوارزميات متقدمة لرصد أعداد الحشود وتوزيعها بدقة وكفاءة داخل بيئة الحرمين الشريفين.
التصاريح الرقمية.. تسهيل الدخول للمشاعر المقدسة
ساهمت «سدايا» في تطوير المنصة الرقمية الموحدة لتصاريح الحج (منصة تصريح)، التي أطلقتها وزارة الداخلية لإصدار التراخيص التي تخول لحامليها من حجاج الداخل والخارج الدخول إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.
وشهد حج هذا العام خدمة استعراض تصاريح الحج عبر تطبيق «توكلنا»، بالربط مع منصة تصريح، مما سهل استعراض جميع أنواع تصاريح الحج من الجهات الحكومية كافة، بما في ذلك بطاقة تصريح الحاج.
الأنظمة الذكية.. ضمان انسيابية الحج
نجحت وزارة الحج، بالشراكة مع جميع الجهات العاملة في موسم الحج، في متابعة ومراقبة حركة تفويج الحشود باستخدام التقنيات الحديثة، مثل كاميرات المراقبة الميدانية وتطبيق الهواتف الذكية ولوحة قياس الأداء ومنصة الحج الذكية.
وتتضمن خطط التفويج مراقبة أداء الخطط التنفيذية وحركة الحشود بالمشاعر المقدسة، حيث نجحت خطة وزارة الحج في تفويج حجاج بيت الله الحرام للجمرات في أول أيام التشريق وسط خدمات تكاملية من مختلف الجهات الحكومية والأهلية.
كما ألزمت شركات الطوافة والمجلس التنسيقي لحجاج الداخل بعدم السماح للحجاج بحمل أمتعة شخصية أثناء رمي الجمرات، وضرورة توفر قائد فوج مع كل 90 حاجاً، مما يضمن انسيابية الحركة وسلامة الحجاج.
الاستعداد الدائم.. إدارة الذروة باحترافية
يعتبر صباح صلاة الجمعة من أكثر الأوقات ازدحاماً خلال الأسبوع، بينما يمثل شهر رمضان أكثر الأشهر كثافةً عددية، إلى جانب موسم الحج الذي يضمّ أعداداً مليونية تنتقل من مكان إلى آخر في أوقات محددة وخطط مدروسة.
وترفع الجهات المشاركة في التفويج مستوى جاهزيتها في أوقات الذروة، وتدرب الكوادر البشرية على التعامل مع الحشود بمهنية لتسهيل وصول قاصدي المسجد الحرام إلى الساحات والمصليات وتنقلهم بين الأدوار.
وقال المتحدث باسم قوات أمن الحج المقدم خالد الكريديس: «إن عمليات تفويج الحجاج لرمي الجمرات تمت بمشاركة الجهات المعنية كافة، إذ يتم إعداد خطط مسبقة لإدارة الحشود والتفويج».
تحليل ذكي:
تعد إدارة الحشود في المملكة العربية السعودية ظاهرة فريدة تجمع بين العلم والتقنية والخبرة الإنسانية، حيث حولت المملكة هذا المجال من مجرد تنظيم إلى علم متقدم يُدرس ويُحتذى به عالمياً. وقد نجحت في دمج أحدث التقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد مع خبرتها التراكمية في التعامل مع الكتل البشرية المتنوعة، مما جعلها رائدة في هذا المجال. كما أن التزام المملكة بوضع الإنسان في صدارة الأولويات، سواء من خلال توفير بيئة آمنة للحجاج أو من خلال تقديم خدمات إنسانية راقية، يعكس مدى التزامها بمقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ النفس الإنسانية. وتعد هذه الجهود جزءاً من رؤية المملكة 2030، التي تسعى إلى استضافة 100 مليون زيارة بحلول عام 2030، مما يجعل إدارة الحشود ركيزة أساسية لتحقيق هذا الهدف.
ملخص الخبر:
- نجحت السعودية في تحويل إدارة الحشود خلال موسم الحج والعمرة إلى نموذج عالمي رائد يجمع بين التقنية والخبرة الإنسانية.
- تعتمد إدارة الحشود على تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد، بالإضافة إلى الخبرة التراكمية في التعامل مع الكتل البشرية المتنوعة.
- تمثل إدارة الحشود إحدى الدعائم الرئيسية لرؤية المملكة 2030، التي تستهدف استضافة 100 مليون زيارة بحلول عام 2030.
- توفر المملكة بيئة آمنة للحجاج من خلال تنظيم حركة الحشود ومنع التدافع والاختناقات، مع سرعة الاستجابة لأي أزمات.
- تم تطوير منصة ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتوفير رؤية شاملة للمشاعر المقدسة وتحسين إدارة الحشود.
- تم استخدام تقنيات الجيو مكاني والذكاء الاصطناعي لرصد وتحليل الحركة البشرية والمرورية خلال موسم الحج.
- تم تدريب الكوادر البشرية على التعامل مع الحشود بمهنية لضمان سلامة الحجاج وانسيابية حركتهم.
- تم تطوير منصة تصاريح الحج الرقمية لتسهيل دخول الحجاج إلى المشاعر المقدسة.
- تم استخدام تقنيات مثل الدرونز وإنترنت الأشياء لمراقبة حركة الحشود وتوجيه المركبات.
- تم الالتزام بعدم حمل الأمتعة أثناء رمي الجمرات وتوفير قائد فوج مع كل 90 حاجاً لضمان السلامة.
التعليقات (0)
أضف تعليقك