عاجل

التسول في العصر الرقمي.. من الشفقة إلى الاحتيال المنظَّم

تحول ظاهرة التسول من سلوك إنساني إلى مهنة منظمة تستغل العاطفة والدين لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة

صورة لمتسول يقف أمام سيارة فاخرة في شارع مزدحم، يرتدي ملابس أنيقة ويطلب المساعدة، مما يبرز تحول ظاهرة التسول إلى مهنة متقنة في العصر الرقمي.

منذ عقود، كان مشهد المتسولين أمام الجوامع والشوارع يثير الشفقة، لكن مع تطور الزمن، تحولت الظاهرة إلى مهنة متقنة، بل إلى جريمة منظمة تستغل الدين والعاطفة والدعم الاجتماعي. فهل أصبح التسول اليوم أقصر الطرق لكسب المال؟ وكيف تطورت أساليبه من الطرق التقليدية إلى الاحتيال الرقمي؟

التسول.. من الشفقة إلى الاحتيال

منذ زمنٍ بعيد، كان مشهد المتسولين أمام الجوامع والشوارع العامة مشهداً مألوفاً، بملابس ممزقة وشعورٍ شعثاء وأقدامٍ حافية، يثير الشفقة والإحسان. لكن مع مرور الزمن، تغيّر المشهد، وتطورت أساليب التسول، فبدأ البعض في استخدام أوراق طبية وصور مؤلمة يستعطف بها قلوب المارة، حتى بات التمييز بين المحتاج الحقيقي والمتحايل أمراً صعباً. ومع توسّع استخدام منصات التواصل الاجتماعي، انتقلت الظاهرة إلى العالم الافتراضي، في أشكالٍ جديدة أكثر احترافية وإقناعاً.

اليوم، نرى متسولين أمام المحطات والصيدليات بسياراتهم النظيفة وملابسهم الأنيقة، يطلبون المساعدة وكأنهم يؤدون دوراً متقناً في مشهدٍ اجتماعي متكرر. فهل أصبح التسول أقصر الطرق وأسهلها لكسب المال؟

اقرأ أيضاً:
ألم المرضى وأنينهم ثمن الإهمال الطبي

الاحتيال الرقمي.. رسائل الاستعطاف المزيفة

من أبرز القصص المتداولة في فضاء الإنترنت رسالة ترد على الجوال، ربما تحمل اسم كاتبها الذي يشير إلى أنه يعيش ظروفاً صعبة هو وأسرته في بلدٍ ما بالخارج، وأنه يرغب في شراء احتياجات ضرورية لأطفاله أو يطلب مساعدة مالية للمساهمة في سداد دين قد يشرده عن أطفاله، أو حفر بئر في قرية شح فيها الماء. قصص درامية مفبركة ينخدع بها الكثير من أصحاب القلوب الرحيمة، في حين أن وراءها شبكات منظمة تستغل الدين والعاطفة لتحقيق مكاسب مالية.

آراء المواطنين.. بين التعاطف والحذر

استمعت «عكاظ» إلى آراء عددٍ من المواطنين حول ظاهرة التسول في الشوارع، وجاءت ردودهم متباينة بين التعاطف والحذر. يقول نواف الزهراني: «لم أكن أقدر على رد أحد يطلب صدقة، لكن في الفترة الأخيرة زادت نسبة المتسولين في الشوارع، وأصبحنا نخاف منهم ومن جرأتهم في طلب المال، بل صار بعضهم يطلب التحويل الإلكتروني، ما زاد حذرنا تجاههم».

أما أصالة نايف، فأشارت إلى أن المتسولين اليوم يقودون سيارات جديدة ويطلبون المال بحجة أنهم ليسوا من سكان المدينة، ولاحظت لوحات سيارات من دول مجاورة. وتقول أسماء عمر: «إذا رغبت في الصدقة، أتبرع عبر موقع «إحسان» عني وعن والديّ وأبنائي، ودائماً نرى التحذير من إعطاء المتسولين في الشوارع، فنحن نُعتبر وسيلة لهم لجمع المال، لذلك لا أعطي متسولاً في الطريق».

لا تفوتك هذه القصة:
حدود الإعلام الرقمي.. هل تحمي القيم أم تقيّد الحريات

وتقول نورة العتيبي: «أحاول أن أمنع نفسي من إعطاء المال للمتسولين عند الإشارات، لكنهم يباغتوننا بحجة غسل الزجاج أو بيع المناديل، وإذا لم نعطِهم يبدأون بطرق زجاج السيارة وترديد الدعوات حتى نحاول مجاملتهم بالعطاء. ورغم حزني الشديد عليهم، إلا أنني أتعاطف فقط مع الأطفال، لكن نظرتي تغيّرت بعد ما رأينا من حالات نصبٍ واستغلالٍ للأطفال وكبار السن لاستدرار العطف».

ويقول محمد النهاري: «أرى أن هناك وعياً كافياً في المجتمع السعودي تجاه ظاهرة التسول، وكثير من الناس أصبحوا يُبلّغون عن المتسولين؛ لأن أغلبهم مخالفون لنظام الإقامة وبعضهم يمارسه بشكل منظم».

117 ألف ريال.. قصة امرأة آسيوية تمارس التسول

من قصص المتسولين القبض على امرأة من جنسية آسيوية تمارس التسول، وبحوزتها عشرات الآلاف ومصوغات ذهبية، حصلت عليها باستعطاف الناس وامتهان هذه المخالفة. وأوضحت وزارة الداخلية أن المرأة ضُبطت في مكة المكرمة من قبل فرق الحملة الأمنية لمكافحة التسول، وعُثر بحوزتها على 117 ألف ريال سعودي، وعدد من العملات الأجنبية ومصوغات ذهبية.

الأسباب النفسية والاجتماعية وراء الظاهرة

الأخصائية الاجتماعية سلمى صقر تقول: «رغم وفرة الجمعيات الخيرية وبرامج الدعم الاجتماعي التي تغطي احتياجات واسعة من الفئات المحتاجة، ما زالت ظاهرة التسول حاضرة في الشوارع والأسواق وحتى على الشاشات الرقمية». وتضيف أن أسباب استمرار التسول متعددة بين اجتماعية واقتصادية ونفسية، فهناك من وجد في التسول وسيلة سهلة للكسب دون عناء، مستغلاً تعاطف الناس وعاطفتهم الدينية.

وتشير إلى أن المتسولين لا يمكن حصرهم في فئة واحدة، فبعضهم ضحايا ظروف قاسية كالعجز أو الشتات الأسري، وآخرون صنعوا من التسول مهنة يتنقل بها بين المدن وينسق مع آخرين في مجموعات منظمة. هؤلاء لا يطلبون المساعدة بدافع الحاجة، بل بدافع الاستغلال والكسب غير المشروع.

التسول الرقمي.. احتيال عبر منصات التواصل

عن التسول الإلكتروني، تقول سلمى صقر: «يظهر المتسولون في مقاطع مصوّرة أو منشورات مؤثرة، يطلبون المال أو الدعم بحجج إنسانية أو طبية، تزامناً مع سهولة التحويل المالي عبر الإنترنت، ما ساهم في جعل الاحتيال أكثر انتشاراً». وتضيف أن هذه الوسائل ساهمت في تضخيم المشكلة، بل فتحت أشكالاً حديثة للتسول تجاوزت العشوائية، لتصبح أقرب إلى شبكات منظمة تستغل الدين والعاطفة والطفولة لتحقيق مكاسب مالية.

المحتاج الحقيقي.. متعفف لا يظهر حاجته

ترى سلمى صقر أن المسؤولية المجتمعية معول متصدر لفهم الأيديولوجية لدى المتسولين والوعي بالآليات الحديثة المستخدمة لديهم. فالمواطن يجب أن يكون واعياً، لا عاطفياً، ولديه القدرة على التمييز في معرفة المتسول من المحتاج. فالمحتاج الحقيقي غالباً لا يُظهر حاجته في العلن، ويمكن الوصول إليه عبر الجمعيات الخيرية.

وتقول: «المتسول من يتكسب من التسول غالباً ما يكرر المشهد ذاته في أماكن مختلفة، أو يستخدم أساليب درامية مؤثرة، لذا فإن أفضل وسيلة للعطاء هي عبر الجهات المعتمدة لا الأفراد المجهولين».

الدور الإعلامي.. تصحيح المفاهيم وتوعية المجتمع

الأخصائية النفسية نورة القحطاني ترى أن هناك اضطرابات نفسية متعدّدة تسهم في امتهان التسول، أبرزها الحرمان العاطفي والإحباط واضطرابات النمو، التي تدفع الفرد للبحث عن الإشباع العاطفي عبر سلوكيات منحرفة.

وتشير إلى أن وسائل الإعلام أظهرت حالات استُخدم فيها التسول كغطاء لأعمال مشبوهة، ما جعل المجتمع أكثر حذراً في التعامل مع المتسولين. فالمحسن الذي ينوي الصدقة قد يشعر بالخذلان حين يُستغل عطاؤه في غير موضعه، مما يضعف تعاطفه مع المحتاجين الحقيقيين.

التسول جريمة.. عقوبات صارمة

شددت النيابة العامة على أن التسول جريمة بكل أشكاله، بما في ذلك التسول الإلكتروني، وتؤكد أن عقوبة ممارس التسول هي السجن لمدة تصل إلى ستة أشهر أو غرامة تصل إلى 50 ألف ريال أو كلتا العقوبتين. بينما تشدد العقوبة إلى السجن لمدة تصل إلى سنة أو غرامة تصل إلى 100 ألف ريال أو كلتا العقوبتين لمن يدير متسولين ضمن جماعة منظمة.

نظام مكافحة التسول.. حظر شامل

المحامي عبدالله الكاسب أوضح أن نظام مكافحة التسول حظر جميع أنواع التسول بكل صوره وانواعه مهما كانت مسوغاته. وقال: «يُحال ممتهن التسول إلى الجهة المختصة للتحقيق معه في حال قُبض عليه وهو يمارس التسول، وتتولى النيابة العامة إجراءات التحقيق في ذلك».

وأضاف أن المادة الخامسة من النظام تنص على معاقبة كل من امتهن التسول أو حرض غيره أو اتفق معه أو ساعده على امتهان التسول بالسجن مدة لا تزيد على ستة أشهر، أو بغرامة لا تزيد على 50 ألف ريال، أو بهما معاً.

الدكتور خالد العثيمين.. التسول سلوك مرضي

الأخصائي النفسي الدكتور خالد العثيمين يعتبر أن سلوك التسول من وجهة النظر النفسية مؤشر على سلوك مرضي، خصوصاً عندما يكون نمطاً سلوكيّاً مزمناً لاستدرار التعاطف من المجتمع. ويقول: «في نظرية التحليل النفسي، يتم تصنيف التسول كسلوك لا شعوري المنشأ يعوّض حالة الحرمان التي تعرض لها المتسول في مراحل طفولته المبكرة».

ويضيف أن هناك جانباً نفسياً آخر من وراء هذا السلوك، وهو أن المتسول قد يعبر عن القوة غير المباشرة، عندما يشعر بأنه سيطر على عواطف الناس وتحكم بمشاعرهم. كما يظهر سلوك التسول كعادة إدمانية من خلال سرعة استجابة الناس له بالمال وبالعطف.

الإعلام ودوره في مكافحة الظاهرة

الإعلامي فواز المالحي يقول: «دور الإعلام في مجابهة ظاهرة التسول مهم وجوهري، وهناك توعية كبيرة تقوم بها الجهات الحكومية المسؤولة عن سبل توجيه الصدقات والمساعدات عبر المنصات الرسمية». ويشير إلى أن أساليب التسول غدت مختلفة ومتنوعة، وانتشرت أساليب التسول الإلكتروني عبر الصوت والصورة بطرق جادة، مثل طلب الدعم أو استجداء النزعة الإنسانية والدينية.

ويؤكد أن_required الدور المطلوب هو الانتباه للتسول الرقمي أكثر من التسول الواقعي، والتحذير عنه بشكل مستمر عبر حملات مسؤولة أو عبر إفشاء الوعي الفردي.

التسول.. مسؤولية جماعية

تؤكد الجهات المختصة أن مواجهة التسول تتطلب تعاون المواطن والمقيم مع أجهزة الدولة، من خلال التوقف عن العطاء المباشر، والتوجه بالتبرعات عبر المنصات الرسمية والجمعيات الموثوقة التي تصل بالمساعدة إلى مستحقيها الحقيقيين. فمكافحة التسول مسؤولية جماعية، تبدأ من وعي الفرد وتنتهي بتكاتف المجتمع، حتى لا نفقد تعاطفنا مع المحتاج الفعلي الذي أقعدته ظروفه، دون أن نمنح المحتالين فرصة لاستغلال إنسانيتنا.

سمها الغامدي.. التسول أصبح مهنة

سمها الغامدي، رئيسة مجلس إدارة جمعية أهلية، تقول: «لم يعد التسول كما كان في الماضي، إذ تحوّل من سلوك بدافع الحاجة إلى مهنة يمارسها البعض بوعيٍ كامل واستغلالٍ للعاطفة الإنسانية». وتضيف أن ضعف الوازع الديني أحد أهم الدوافع النفسية، إذ يفقد بعض المتسولين شعورهم بالإحراج أو الخجل الاجتماعي، ويرون في التسول مهنة سهلة ومربحة بغضّ النظر عن تحذيرات الشريعة منه.

وتشير إلى أن التفكك الأسري الناتج عن الطلاق أو الفقر أو التشرد يدفع البعض إلى هذا السلوك، مصحوباً بمشاعر اليأس والعجز الناتجة عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة.

نظام مكافحة التسول.. عقوبات صارمة

المحامي عبدالله الكاسب أوضح أن نظام مكافحة التسول حظر جميع أنواع التسول بكل صوره وانواعه مهما كانت مسوغاته. وقال: «يُحال ممتهن التسول إلى الجهة المختصة للتحقيق معه في حال قُبض عليه وهو يمارس التسول، وتتولى النيابة العامة إجراءات التحقيق في ذلك».

وأضاف أن المادة الخامسة من النظام تنص على معاقبة كل من امتهن التسول أو حرض غيره أو اتفق معه أو ساعده على امتهان التسول بالسجن مدة لا تزيد على ستة أشهر، أو بغرامة لا تزيد على 50 ألف ريال، أو بهما معاً.

الدكتور خالد العثيمين.. التسول سلوك مرضي

الأخصائي النفسي الدكتور خالد العثيمين يعتبر أن سلوك التسول من وجهة النظر النفسية مؤشر على سلوك مرضي، خصوصاً عندما يكون نمطاً سلوكيّاً مزمناً لاستدرار التعاطف من المجتمع. ويقول: «في نظرية التحليل النفسي، يتم تصنيف التسول كسلوك لا شعوري المنشأ يعوّض حالة الحرمان التي تعرض لها المتسول في مراحل طفولته المبكرة».

ويضيف أن هناك جانباً نفسياً آخر من وراء هذا السلوك، وهو أن المتسول قد يعبر عن القوة غير المباشرة، عندما يشعر بأنه سيطر على عواطف الناس وتحكم بمشاعرهم. كما يظهر سلوك التسول كعادة إدمانية من خلال سرعة استجابة الناس له بالمال وبالعطف.

الإعلام ودوره في مكافحة الظاهرة

الإعلامي فواز المالحي يقول: «دور الإعلام في مجابهة ظاهرة التسول مهم وجوهري، وهناك توعية كبيرة تقوم بها الجهات الحكومية المسؤولة عن سبل توجيه الصدقات والمساعدات عبر المنصات الرسمية». ويشير إلى أن أساليب التسول غدت مختلفة ومتنوعة، وانتشرت أساليب التسول الإلكتروني عبر الصوت والصورة بطرق جادة، مثل طلب الدعم أو استجداء النزعة الإنسانية والدينية.

ويؤكد أن_required الدور المطلوب هو الانتباه للتسول الرقمي أكثر من التسول الواقعي، والتحذير عنه بشكل مستمر عبر حملات مسؤولة أو عبر إفشاء الوعي الفردي.

تحليل ذكي:

ظاهرة التسول في العصر الرقمي لم تعد مجرد سلوك إنساني عابر، بل تحولت إلى جريمة منظمة تستغل الدين والعاطفة والدعم الاجتماعي لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة. فالتطور التكنولوجي لم يغير فقط أساليب التسول، بل جعله أكثر احترافية وانتشاراً، لدرجة أن بعض المتسولين أصبحوا يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي كوسيلة رئيسية لاستدرار العطف. ومع ذلك، فإن المجتمع السعودي أظهر وعياً متزايداً تجاه هذه الظاهرة، من خلال الإبلاغ عن المتسولين وتوجيه المساعدات عبر القنوات الرسمية. إلا أن التحدي الأكبر يكمن في التمييز بين المحتاج الحقيقي والمحتال، وهو ما يتطلب توعية مستمرة وتعاوناً جماعياً بين المواطنين والدولة. فالمجتمع الذي يفقد ثقته في المتسولين قد يفقد أيضاً تعاطفه مع المحتاجين الحقيقيين، مما يستدعي جهوداً مكثفة لتصحيح المفاهيم وتوجيه العطاء نحو القنوات الموثوقة.

ملخص الخبر:

  • تحول ظاهرة التسول من سلوك إنساني إلى مهنة منظمة تستغل العاطفة والدين لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة.
  • تطور أساليب التسول من الطرق التقليدية إلى الاحتيال الرقمي عبر منصات التواصل الاجتماعي.
  • المجتمع السعودي أظهر وعياً متزايداً تجاه الظاهرة من خلال الإبلاغ عن المتسولين وتوجيه المساعدات عبر القنوات الرسمية.
  • المحتجون الحقيقيون غالباً لا يظهرون حاجتهم في العلن ويمكن الوصول إليهم عبر الجمعيات الخيرية.
  • عقوبات التسول تصل إلى السجن 6 أشهر أو غرامة 50 ألف ريال، وتزداد إلى سنة أو 100 ألف ريال في حال التنظيم.
  • مسؤولية مكافحة التسول تقع على عاتق المواطن والدولة معاً، من خلال التوعية والتوجيه القانوني.
  • التسول الرقمي أصبح أكثر انتشاراً من الطرق التقليدية، مما يتطلب اهتماماً أكبر من قبل الجهات المسؤولة.
  • النظام السعودي يحظر جميع أنواع التسول ويحاسب عليها، بما في ذلك التسول الإلكتروني.

التعليقات (0)

أضف تعليقك