عاجل

أطفال تحت سطوة الخوارزميات.. هل يكفي الحظر لحمايتهم؟

تزايد التشريعات العالمية لحماية الأطفال من مخاطر منصات التواصل الاجتماعي يدفع إلى التساؤل: هل الحظر وحده كافٍ؟

طفل يستخدم الهاتف الذكي داخل المنزل، مع تعبيرات лица تظهر القلق والتوتر، في إشارة إلى تأثير منصات التواصل الاجتماعي على الأطفال.

باتت منصات التواصل الاجتماعي ساحة تتقاطع فيها الصحة والأمن الرقمي والسياسات الأسرية، بعد أن تحولت من مساحة للترفيه إلى بيئة تنظمها خوارزميات مصممة لإطالة مدة الاستخدام وجمع البيانات. وفي ظل مطالبة مجلس الشورى السعودي بتنظيم استخدام هذه المنصات لمن هم دون 16 عاماً، يبرز سؤال جوهري: من يحمي الأطفال من آثارها النفسية والسلوكية؟

على المستوى الدولي، اتخذت بعض الدول خطوات جادة لتنظيم استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي. ففي أستراليا، بدأ تطبيق قانون في ديسمبر 2025 يلزم المنصات مثل فيسبوك وإنستغرام وتك توك باتخاذ إجراءات لمنع من تقل أعمارهم عن 16 عاماً من إنشاء حسابات جديدة أو الاحتفاظ بها، مع فرض غرامات تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي على الشركات المخالفة. أما في ماليزيا، فقد منعت السلطات من هم دون 16 عاماً من إنشاء حسابات جديدة، مع إلزام الشركات بالتحقق من أعمار المستخدمين عبر السجلات الحكومية، وفرض غرامات تصل إلى 10 ملايين رنغت على المخالفين.

في إندونيسيا، أعلنت الحكومة تعطيل نحو 4.7 مليون حساب تعود لأطفال دون سن 16 عاماً، من بينها 4.1 مليون حساب على تيك توك و600 ألف حساب على يوتيوب، في إطار حملة لتعزيز حماية القُصَّر. وفي الإمارات، حُدد سن 15 عاماً حداً أدنى لاستخدام هذه المنصات، مع توفير أدوات لإدارة وقت الاستخدام والرقابة الأبوية. أما تركيا، فتنوي منع من هم دون 15 عاماً من استخدامها، بينما اختارت البرازيل نموذجاً أقل صرامة يقوم على ربط حسابات الأطفال بحسابات أولياء أمورهم.

اقرأ أيضاً:
انتهاك حقوق كبار السن وذوي الإعاقة في مواقف السيارات

كشفت منظمة الصحة العالمية أن نسبة الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي بين المراهقين ارتفعت من 7% في 2018 إلى 11% في 2022، استناداً إلى بيانات شملت 280 ألف طالب في 44 دولة. كما أظهر تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن 96% من الأطفال بعمر 15 عاماً في دول المنظمة يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي، فيما يستخدم 95% منهم الإنترنت لأغراض الترفيه.

يرى الاستشاري النفسي عمر الأسمر أن المخاطر لا تقتصر على مدة الاستخدام، بل تشمل طبيعة التفاعل داخل المنصات. وقال: «المراهق يدخل المنصة وهو في مرحلة بناء هويته، لذا تصبح المقارنة والإعجابات جزءاً من تقييمه لذاته». وأضاف أن الحظر يمنح الأسرة فرصة لتأخير التعرض المكثف لمنصات تضغط على جهاز نفسي لم يكتمل نضجه بعد.

في رأي الاستشاري الاجتماعي عبدالله البقعاوي، لم تعد الأسرة تواجه جهازاً في يد الطفل، بل جماعة رقمية كاملة تدخل غرفته وتعيد تشكيل لغته ونظرته إلى القبول والرفض. وأشار إلى أن 32% من الآباء يجدون صعوبة في التحكم بوقت الشاشة لدى أبنائهم، وترتفع النسبة إلى 49% لدى أولياء أمور الفئة العمرية من 16 إلى 17 عاماً.

لا تفوتك هذه القصة:
جدل واسع حول تطوير المعلمين بين الأصالة والشراكات الدولية

يرى المهندس التقني عبدالله القويعي أن التحدي الأكبر يكمن في إثبات عمر المستخدم دون كشف بياناته الحساسة. وقال: «إذا طلبت المنصة الهوية الرسمية، فقد تحقق دقة أعلى لكنها تفتح باباً لمخاطر الخصوصية». وأضاف أن النموذج الأنسب يتمثل في تحقق عمري يحفظ الخصوصية، مع تدرج الضوابط بحسب مستوى خطورة المنصة.

أكد الدكتور مشاري العازمي، المتخصص في الذكاء الاصطناعي، أن الخوارزميات لا تعرض المحتوى بصورة عشوائية، بل تدفع المستخدم نحو محتوى مشابه لتحقيق هدف إبقائه داخل المنصة لفترة أطول. وأشار إلى دراسة حللت 3000 مقطع موصى به لحسابات مصنفة بأعمار 13 و18 عاماً، خلصت إلى أن الحسابات التي تمثل مستخدمين بعمر 13 عاماً تعرضت لمقاطع ضارة بوتيرة أسرع بنسبة أعلى مقارنة بالحسابات الأكبر سناً.

قالت الدكتورة شيهانة الحربي، المتخصصة في الأمن السيبراني، إن منصات التواصل تفتح أمام الطفل مسارات متعددة للتهديدات السيبرانية مثل الروابط الخبيثة وانتحال الشخصية والابتزاز. وأضافت أن 72% من الأطفال دون سن 12 عاماً تعرضوا لتهديدات سيبرانية، وأن 48% منهم يشعرون بعدم الأمان أثناء وجودهم في البيئة الرقمية.

ترى المستشارة القانونية هياء السليمان أن حماية الطفل يجب ألا تتحول إلى نظام تحقق شامل لهوية كل مستخدم. وقالت: «يجب أن تكون القاعدة الأساسية حماية القاصر بأقل قدر ممكن من البيانات، مع تحميل المنصة أعلى قدر من المسؤولية». وأضافت أن الغرامات يجب أن ترتبط بفشل المنصة في التحقق من العمر أو استمرار تعرض القُصَّر للمحتوى الضار.

أكد استشاري طب الأسرة الدكتور فرحان العنزي أن تأثير المنصات يمتد إلى النوم والتركيز والصداع والخمول والوزن. وقال: «عندما يستخدم الطفل المنصات خلال ساعات الليل، فهو لا يخسر وقتاً فقط، بل يربك ساعته الحيوية». وأضاف أن ذروة الاستخدام اليومي في السعودية تقع بين التاسعة والحادية عشرة مساءً، وهي فترة حساسة للنوم الأسري والاستعداد المدرسي.

تحليل ذكي:

تظهر التشريعات العالمية المتزايدة لحماية الأطفال من منصات التواصل الاجتماعي انتقالاً من النصح الأسري إلى المسؤولية القانونية للشركات التقنية، في ظل مؤشرات متزايدة حول الآثار النفسية والسلوكية لهذه المنصات. ورغم أن الحظر يعد خطوة أولى ضرورية، إلا أن الخبراء يؤكدون أن الحماية الكاملة تتطلب منظومة متكاملة تشمل تنظيم الخوارزميات، وضوابط إثبات العمر دون انتهاك الخصوصية، وتوفير أدوات رقابية داخل المنازل والمدارس، إلى جانب توعية الأسر بمخاطر الاستخدام الليلي لهذه المنصات.

ملخص الخبر:

  • مطالبة مجلس الشورى السعودي بتنظيم استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاماً.
  • أستراليا تلزم المنصات بمنع إنشاء حسابات جديدة لمن تقل أعمارهم عن 16 عاماً، مع غرامات تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي.
  • إندونيسيا تغلق 4.7 مليون حساب لأطفال دون 16 عاماً، معظمها على تيك توك ويوتيوب.
  • الإمارات تحدد سن 15 عاماً حداً أدنى لاستخدام هذه المنصات مع توفير أدوات الرقابة الأبوية.
  • ارتفاع نسبة الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي بين المراهقين من 7% إلى 11% بين 2018 و2022.
  • الخبراء يحذرون من أن الحظر وحده لا يكفي، بل يجب تنظيم الخوارزميات وحماية الخصوصية.
  • 72% من الأطفال دون 12 عاماً تعرضوا لتهديدات سيبرانية أثناء استخدامهم منصات التواصل الاجتماعي.

التعليقات (0)

أضف تعليقك