عاجل

رحيل عالم وباني نهضة.. الدكتور رضا عبيد يترك أثراً خالداً في العلم والثقافة

رحيل الدكتور رضا محمد سعيد عبيد، عالم وكاتب وإداري، يفتح باب التأمل في سيرة رجل جعل من العلم والثقافة جسراً نحو النهضة

الدكتور رضا محمد سعيد عبيد أثناء حضوره اجتماع الجمعية العمومية لمؤسسة اليمامة الصحفية، وهو يرتدي الزي الرسمي السعودي

لم يكن رحيل الدكتور رضا محمد سعيد عبيد مجرد حدث عابر، بل لحظة فارقة في تاريخ العلم والثقافة في المملكة، حيث رحل الرجل تاركاً وراءه إرثاً لا تمحوه السنوات، بل يزداد بهاءً مع مرور الزمن. فقد جمع بين العلم والإدارة والثقافة، وكان من أولئك الرجال الذين لا يغيب حضورهم، بل يظلون حاضرين في كل مكان عملوا فيه، من الجامعة إلى المؤسسة الصحفية، ومن مجلس الشورى إلى مراكز البحث العلمي.

بدايات مشهودة في عالم العلم

ولد الدكتور رضا عبيد في المدينة المنورة عام 1355هـ (1936م)، ومنذ صباه اتجه نحو المعرفة بوصفها سبيلاً إلى البناء والتقدم، لا مجرد تحصيل علمي عابر. نال درجة البكالوريوس في الكيمياء والفيزياء من جامعة القاهرة عام 1958م، ثم حصل على الدكتوراه في الكيمياء الفيزيائية من جامعة برمنغهام عام 1962م.回来 إلى وطنه في وقت كانت فيه المملكة تسعى لترسيخ أركان التعليم والبحث العلمي، حاملاً معه رؤية واضحة بأن النهضة تبدأ من العقل، وأن الأوطان تبنى بما تملكه من كفاءات قادرة على تحويل العلم إلى فعل مؤثر في حياة الناس ومؤسساتهم.

الجامعة.. مشروع نهضة متكامل

لم يكن الدكتور عبيد مجرد أكاديمي في جامعة الملك سعود، بل كان واحداً من جيل فهم الجامعة بوصفها مشروعاً وطنياً يتجاوز حدود التعليم إلى بناء الإنسان والمؤسسة معاً. بدأ حياته الأكاديمية معيداً، ثم أستاذاً للكيمياء الفيزيائية، ووكيلاً لعميد كلية العلوم، قبل أن يصبح أول سعودي يتولى عمادة كلية العلوم في الفترة من 1963م إلى 1971م. هذا المنصب لم يكن مجرد خطوة وظيفية، بل شهادة على ثقته وقدرته على الجمع بين التخصص الدقيق والرؤية الإدارية.

اقرأ أيضاً:
التحيز الثقافي.. عدسة لا تُرى تُشوّه رؤية العالم

وفي تلك الفترة، كانت الجامعات السعودية في بداياتها، تحتاج إلى رجال يملكون الوعي الكافي ليكونوا جزءاً من التأسيس لا مجرد شهود عليه. وكان الدكتور عبيد واحداً من أولئك الذين لم يمروا في المؤسسة مروراً عابراً، بل أسهموا في تثبيت معانيها ومنحها رسوخاً في بداياتها. حضوره في هذا السياق كان دليلاً على شخصية تدرك أن العمل الأكاديمي لا يقف عند حدود التخصص، بل يمتد إلى صناعة البيئة التي ينمو فيها العلم ويترسخ أثره.

البحث العلمي.. مسؤولية وطنية

اتسعت تجربة الدكتور عبيد إلى آفاق أوسع حين تولى رئاسة المركز الوطني للعلوم والتقنية بمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بين عامي 1977م و1984م، في مرحلة كان فيها البحث العلمي يشكل أحد أعمدة المشروع التنموي الحديث. لم يكن ذلك مجرد انتقال وظيفي، بل تعبيراً عن شخصية رأت في العلم مسؤولية تتصل بمستقبل المجتمع، وفي المعرفة قوة يجب أن تجد طريقها إلى المؤسسة والدولة والناس.

وفي مثل هذه المواقع، تتجلى قيمة الرجال الذين يدركون أن بناء البحث العلمي ليس قراراً عابراً، بل مسيراً طويلاً يحتاج إلى صبر وبصيرة وإيمان عميق بقيمة المعرفة في صناعة التحول. ومن هنا، كان الدكتور عبيد واحداً من أولئك الذين فهموا أن العلم ليس مجرد نشاط أكاديمي، بل مشروع حياة يهدف إلى خدمة الوطن والمجتمع.

لا تفوتك هذه القصة:
ندوة ثقافية تبحث أوجه التشابه بين الموشحات الأندلسية والبانتون الماليزي

قيادة جامعية.. بناء للمؤسسات

انتقل بعد ذلك إلى إدارة جامعة الملك عبدالعزيز من 1984م إلى 1994م، وهي مرحلة ارتبطت بحضور أكاديمي وإداري راسخ، أسهم في تعزيز مكانة الجامعة وتوسيع بنيتها العلمية والتنظيمية. في مثل هذه المواقع، لا يقاس الأثر بسنوات الخدمة وحدها، بل بما يرسخه صاحبها من وعي بالمؤسسة، وبما يضيفه إلى روحها من اتزان وبصيرة.

ولهذا، يبدو حضور الدكتور عبيد الجامعي جزءاً من سيرة رجل لم ير في الإدارة سلطة، بل مسؤولية، ولم ير في الموقع مكانة شخصية، بل باباً لخدمة مشروع أكبر. فالمؤسسات الكبرى لا تحفظ توازنها إلا برجال يفهمون أن النجاح الحقيقي لا يعلن عن نفسه بالصوت العالي، بل يترك علاماته الهادئة في البناء المتين والاستمرار الواثق.

المساهمة في الشأن العام

لم تقتصر مسيرة الدكتور عبيد على المجال الأكاديمي، بل امتدت إلى الشأن العام، حيث اختير عضواً في مجلس الشورى من 1994م إلى 1998م. هذا الانتقال يكشف عن شخصية لم تحصر العلم في أسوار الجامعة، بل رأت فيه وعياً يمكن أن يمتد إلى القضايا العامة، ويسهم في صياغة رؤية أوسع تتصل بالمجتمع والدولة والإنسان.

وهذا الامتداد يكشف عن سعة في التجربة، وعن عقل لم يكن ينظر إلى المعرفة بوصفها ميدانا منعزلا، بل بوصفها طاقة قادرة على ملامسة القضايا العامة، وعلى الإسهام في بناء تصور أوسع لدور الإنسان المتعلم في خدمة وطنه.

العلم والثقافة.. جسر نحو النهضة

لكن ما يمنح هذه السيرة بعداً أكثر خصوصية هو امتدادها إلى الإعلام والثقافة، في دلالة واضحة على شخصية آمنت بأن المعرفة لا تعيش في جزيرة منفصلة، بل تتغذى من تواصل الحقول وتلاقيها. فقد تولى رئاسة مجلس إدارة مؤسسة اليمامة الصحفية، مؤكداً أن صلته لم تكن بالعلم وحده، بل بالكلمة أيضاً، وبالدور الذي تؤديه الصحافة في تشكيل الوعي العام، وفي حفظ الصلة بين المجتمع وأسئلته وتحولاته.

وفي امتداد هذا الحضور المؤسسي والإعلامي، مثل الدكتور عبيد مؤسسة اليمامة الصحفية بصفته رئيس مجلس إدارتها عند توقيع مذكرة تفاهم مع جمعية الأمير فهد بن سلمان الخيرية لرعاية مرضى الفشل الكلوي، وذلك في 9 مايو 2010، ضمن عشرين اتفاقية تعاون وقعها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-، خلال فترة توليه إمارة منطقة الرياض آنذاك.

الثقافة.. جوهرة من جواهر النهضة

ارتبط الراحل باثنينية عبدالمقصود خوجة، فأدار جلساتها لسنوات، وشارك في لجنة اختيار المكرمين فيها، وهو حضور يكشف عن صلته الوثيقة بالمشهد الثقافي السعودي، وعن إيمانه بقيمة الاحتفاء بالرموز الفكرية والأدبية والعلمية. لم يكن هذا الجانب هامشاً في سيرته، بل جزءاً من معناها، إذ يشي بأن الرجل، على امتداد تجربته، ظل قريباً من فضاءات الفكر والحوار، ومؤمناً بأن الثقافة ليست ترفاً، بل واحدة من صور الارتقاء بالمجتمع وصيانة ذاكرته.

إرث لا يغيب

ولعل ما يضيء هذه السيرة أكثر هو بعدها الإنساني والمهني معاً. فقد كتب عنه بوصفه أستاذاً ومعلماً وصاحب خلق رفيع، وحضوراً هادئاً، وبصمة لا تنسى. بعض الشخصيات لا تترك أثرها بما تقوله عن نفسها، بل بما يراه الناس فيها من اتزان ونبل ووفاء، وبما تبثه في محيطها من طمأنينة وثقة ومعنى.

إن بعض الأسماء تبقى لا لأنها شغلت مناصب كثيرة، بل لأنها منحت تلك المناصب معناها، وجعلت من العمل امتداداً للأخلاق، ومن المسؤولية صورة من صور الوفاء. وهكذا يبدو رحيل الدكتور رضا محمد سعيد عبيد تذكيراً بجيل آمن بأن النهضة لا تبنى بالضجيج، بل بالصبر والمعرفة والإخلاص الطويل.

خاتمة.. حاضر في الذاكرة

فالسير الكبيرة لا تنتهي عند حدود الرحيل، لأنها تظل قادرة على تذكير الأجيال بأن المعرفة حين تقترن بالخلق، والمسؤولية حين تحمل بصدق، تصنعان للإنسان مكانة لا يغيب معها، بل يبقى حاضرا في ذاكرة وطنه، وفي المعنى الذي تركه وراءه. ولهذا لا يمر اسم مثل رضا عبيد في سياق الرثاء وحده، بل في سياق التقدير أيضاً، بوصفه واحداً من أولئك الذين عبروا حياتهم في هدوء، لكنهم تركوا في الزمن ما يكفي ليبقوا.

تحليل ذكي:

إن رحيل الدكتور رضا عبيد يفتح باباً للتأمل في دور النخبة العلمية والإدارية في بناء المجتمعات، خاصة في مراحل التأسيس والتحول. فالمجتمع الذي يتذكر أمثاله يدرك أن النهضة لا تأتي من فراغ، بل من جهود متواصلة لبناء المؤسسات وتعزيز الثقافة العلمية، ومن رجال آمنوا بأن العلم ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق تقدم حقيقي. إن إرثه يدعو إلى إعادة النظر في كيفية تخليد مثل هذه الشخصيات، ليس فقط من خلال المنشآت التي أسهم في بنائها، بل من خلال القيم التي حملتها حياته، كالإخلاص والتواضع والالتزام بالمسؤولية العامة.

ملخص الخبر:

  • ولد الدكتور رضا عبيد في المدينة المنورة عام 1936م، وحمل شهادة الدكتوراه في الكيمياء الفيزيائية من جامعة برمنغهام عام 1962م.
  • تولى عمادة كلية العلوم بجامعة الملك سعود كأول سعودي يتولى هذا المنصب، ثم رئاسة المركز الوطني للعلوم والتقنية، وإدارة جامعة الملك عبدالعزيز.
  • كان عضواً في مجلس الشورى، وربط بين العلم والثقافة من خلال رئاسة مجلس إدارة مؤسسة اليمامة الصحفية وارتباطه بالثقافة.
  • آمن بأن العلم مسؤولية وطنية، وأن الثقافة جوهرة من جواهر النهضة، وترك إرثاً إنسانياً ومهنياً لا يغيب.
  • رحل عن دنيانا في 2 أبريل 2026م، وصلي عليه في المسجد النبوي ودفن في مقبرة البقيع بالمدينة المنورة.

التعليقات (0)

أضف تعليقك