عاجل

الصويان ينقذ التراث الشفاهي من النسيان ويكرم بجائزة الشخصية الثقافية

دور الدكتور سعد الصويان في توثيق الموروث الشعبي السعودي يلقى اعترافاً رسمياً بإنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا

الدكتور سعد الصويان يستلم جائزة الشخصية الثقافية لعام 2024 من وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان

في رحلة امتدت لأكثر من أربعة عقود، قاوم الدكتور سعد الصويان وحده تقريباً، في قاعات الجامعات، من أجل إثبات أهمية الدراسات الأنثروبولوجية للموروث الشعبي السعودي، حتى استطاع أن ينتزع هذا التراث من طي النسيان، ويوثقه صوتياً عبر أفواه الرواة من المعمّرين، ليرسخ بذلك مكانته كأب للدراسات الأنثروبولوجية في المملكة، ويكافأ أخيراً بجائزة الشخصية الثقافية لعام 2024، في حين أتى اعتراف رسمي آخر بإنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية.

انتصار للتراث الشفاهي بعد عقود من الممانعة

منذ ثلاثين عاماً وأكثر، كانت الدراسات الاجتماعية تتنازع بين مؤيديها ومعارضيها، وبين المبدعين في منهجها والمشوهين له، حتى جاء قرار مجلس الوزراء أخيراً بإقرار تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، ليكون منارةً علميةً تروي تاريخ الثقافة السعودية، وتوثق موروثاتها الحية، وتؤصل العمل الثقافي من خلال تطوير البحوث الأكاديمية وتطبيقاتها المتخصصة.

مشروع عمر ينقذ الذاكرة الشعبية

كان الدكتور سعد بن عبدالله الصويان، عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا، يعمل وحيداً تقريباً في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، داخل قاعات الدرس الجامعي، للدفاع عن مشروع دراسة الموروث الشعبي السعودي، في وقت كان فيه الكثيرون ينظرون إلى مثل هذه الدراسات بعين الريبة أو الاستخفاف. لكن ما كان يبدو نضالاً فردياً، تحول إلى رحلة علمية امتدت لسبعة أعوام، بدأت عام 1983م، حين قرر الصويان أن ينقذ الشعر النبطي، الديوان الحي للحاضرة والبادية، من الضياع.

اقرأ أيضاً:
التحيز الثقافي.. عدسة لا تُرى تُشوّه رؤية العالم

توثيق شامل لكل تفاصيل الحياة الشعبية

لم يكتفِ الصويان بجمع الأشعار والقصص، بل سعى إلى تسجيل كل ما يتعلق بحياة الناس في مناطق وسط وشمال الجزيرة العربية، من أنساب ووسوم وديار وموارد، وصولاً إلى المعلومات الإثنوغرافية والتاريخ الشفاهي. ولم يتوقف عند هذا الحد، بل أسس لاحقاً وحدة الذاكرة السعودية في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، حيث جمع التسجيلات الشفهية، وفرغها، وحولها إلى صيغ رقمية (MP3)، لتكون جزءاً من أرشيف حي لذاكرة الوطن.

الرواية الشفهية.. مكملة للتاريخ الرسمي

يرى الصويان أن الرواية الشفهية ليست بديلاً عن التاريخ الرسمي، بل هي مكملة له، وأحياناً مصححة له، لأن الهوية لا تُصنع من فوق، بل تُبنى من قصص المجتمع المحلي. وقد أكد على أن التوثيق مسؤولية تتطلب النزاهة والدقة والاحترام، مشيراً إلى أن الموروث الشعبي يمثل منظومة حياة متكاملة، تعبر عن بنية المجتمع وقيمه وتحولاته.

إنجازات علمية وتكريماً دولياً

لم يكن إنجاز الصويان مقتصراً على التوثيق، بل امتد إلى الإصدارات العلمية والمقالات باللغتين العربية والإنجليزية، التي جعلته مرجعاً عالمياً في الثقافة الشفاهية للجزيرة العربية. ومن أبرز أعماله: جمع الشعر النبطي من مصادره الشفهية (1983–1990)، والمشروع الوثائقي للملك عبدالعزيز (1991–2001) في أكثر من عشرين مجلداً، وجمع المأثورات الشفهية وحداء الخيل، فضلاً عن كتبه مثل "الشعر النبطي: ذائقة الشعب وسلطة النص" و"الصحراء العربية: ثقافتها وشعرها عبر العصور"، و"ملحمة التطور البشري" الذي نال عنه جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2024.

لا تفوتك هذه القصة:
ندوة ثقافية تبحث أوجه التشابه بين الموشحات الأندلسية والبانتون الماليزي

اعتراف رسمي بإنجازاته

جاءت مكافأة الصويان الأخيرة بجائزة الشخصية الثقافية لعام 2024، ضمن مبادرة الجوائز الثقافية الوطنية، تقديراً لمسيرته العلمية التي امتدت لأكثر من أربعة عقود، والتي أسهمت في إثراء الدراسات الأنثروبولوجية في المملكة، وجعلته أبا لهذه الدراسات.

المعهد الملكي للأنثروبولوجيا.. منارة جديدة للثقافة السعودية

أتى إنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، بقرار من مجلس الوزراء، ليشكل انتصاراً للدراسات الاجتماعية بعد عقود من الممانعة، وليكون منارةً علميةً تسهم في فهم الإنسان من خلال توثيق موروثاته، وتأصيل العمل الثقافي، وتطوير البحوث الأكاديمية وتطبيقاتها المتخصصة.

رؤية مستقبلية للدراسات الثقافية

أكدت الدكتورة عبير القحطاني، أن المعهد الملكي للأنثروبولوجيا سيكون منصة علمية لدراسة التنوع الثقافي في المملكة، ومراقبة التحولات الهوياتية في ظل التغيرات الاجتماعية السريعة. وأشارت إلى أن المعهد سيسهل على الباحثين الوصول إلى الوثائق والمصادر الأرشيفية، مما سيساعد في رسم خريطة إنسانية وثقافية واقتصادية أكثر دقة، تغني النقاش العلمي حول التجربة السعودية، وتسهم في فهم التحديات المستقبلية في ضوء تطور أدوات البحث الحديثة، بما في ذلك تقنيات الذكاء الاصطناعي.

سيرة ذاتية.. من عنيزة إلى العالمية

ولد الدكتور سعد الصويان في عنيزة عام 1944م، وحصل على البكالوريوس في علم الاجتماع عام 1971 من جامعة الملك سعود، ثم الماجستير في الأنثروبولوجيا عام 1974 من جامعة شمال إلينوي الأمريكية، والدكتوراه في الأنثروبولوجيا والفلكلور والدراسات الشرقية عام 1982 من جامعة كاليفورنيا بيركلي، وكانت أطروحته عن الشعر النبطي في الجزيرة العربية. التحق بعدها بجامعة الملك سعود أستاذاً مساعداً، ثم تدرج في المناصب الأكاديمية حتى نال رتبة أستاذ عام 2003، وأشرف على متحف التراث الشعبي، وشغل منصب رئيس قسم الدراسات الاجتماعية.

تحليل ذكي:

يبرز هذا المقال دور الدكتور سعد الصويان كأحد أبرز الرواد في مجال الدراسات الأنثروبولوجية في المملكة العربية السعودية، ليس فقط من خلال جهوده الفردية في توثيق الموروث الشعبي، بل أيضاً من خلال إسهاماته العلمية التي جعلته مرجعاً عالمياً في الثقافة الشفاهية. كما يسلط الضوء على Anerkennung رسمي جديد بإنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا، الذي يأتي ليؤكد على أهمية هذه الدراسات في فهم الهوية الوطنية وتطورها. ويظهر المقال كيف أن النضال العلمي، حتى في وجه المعارضات، يمكن أن يؤدي إلى إنجازات تاريخية، سواء على المستوى الفردي أو المؤسسي.

ملخص الخبر:

  • الدكتور سعد الصويان يُكرم بجائزة الشخصية الثقافية لعام 2024 بعد مسيرة علمية امتدت لأكثر من أربعة عقود في توثيق الموروث الشعبي السعودي.
  • إنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية بقرار من مجلس الوزراء، ليشكل انتصاراً للدراسات الاجتماعية بعد عقود من الممانعة.
  • الصويان أنقذ الشعر النبطي والتراث الشفاهي من الضياع من خلال مشروع توثيقي استمر سبعة أعوام، جمع فيه الأشعار والقصص والأنساب والمعلومات الإثنوغرافية.
  • المعهد الملكي سيسهم في تطوير البحوث الأكاديمية وتطبيقاتها المتخصصة، ودراسة المجتمعات المحلية وأنماط العيش والنظم الرمزية.
  • الصويان حاصل على دكتوراه في الأنثروبولوجيا من جامعة كاليفورنيا بيركلي، وأشرف على متحف التراث الشعبي بجامعة الملك سعود.
  • من أبرز إنجازاته: جمع الشعر النبطي من مصادره الشفهية، والمشروع الوثائقي للملك عبدالعزيز، وكتاب "ملحمة التطور البشري" الحائز على جائزة الشيخ زايد للكتاب.

التعليقات (0)

أضف تعليقك