السرد.. فن بناء المعنى في الإعلام والثقافة
السرد ليس مجرد رواية، بل منهجية لفهم الواقع عبر الإعلام والثقافة
السرد مفهوم أساسي في الدراسات الإنسانية والإعلامية، إذ لا يقتصر على الروايات الأدبية فحسب، بل يمتد ليشمل الأخبار والصحافة والسينما والإعلانات ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يشكل طريقة لتنظيم الأحداث وإنتاج معانٍ متماسكة لدى المتلقي.
أصول السرد وتطوره
يعود أصل دراسات السرد إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو، الذي درس بناء الحكاية وعلاقة الأحداث والشخصيات والحبكة في كتابه «فن الشعر»، حيث وصف السرد بأنه تنظيم فني للأفعال الإنسانية له بداية ووسط ونهاية. ثم تطورت دراسة السرد في القرن العشرين مع البنيوية واللسانيات، لينتقل الباحثون من سؤال «ماذا تحكي القصة؟» إلى «كيف تُبنى القصة وتنتج معناها؟»، عبر علماء مثل تسفيتان تودوروف وجيرار جينيت ورولان بارت.
السرد الإعلامي وتأثيره
مع ازدياد دور وسائل الإعلام في إنتاج المعاني والتمثيلات الاجتماعية، أصبح السرد وسيلة تستخدمها هذه الوسائل لتفسير الواقع وتنظيمه. فالصحافة لا تنقل الأحداث بصورة محايدة تماماً، بل تبني سرديات معينة حول السياسة والاقتصاد والهوية والصراعات الدولية. كما أن الأفلام والمسلسلات والإعلانات تبني سرديات حول قضايا مثل المرأة والأسرة والوطن والاستهلاك والنجاح.
السرد في العصر الرقمي
في العصر الرقمي، تطور مفهوم السرد بفعل التفاعل في الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي والألعاب الرقمية. إذ يمكن لأي فرد أن يصنع «سرديته» الخاصة حول حدث معين عبر الفيديو أو الصور أو المدونات أو البث المباشر. كما ظهرت أشكال جديدة مثل «السرد المتعدد الوسائط»، حيث تمتد القصة الواحدة عبر أكثر من وسيلة إعلامية في الوقت نفسه، مما يضيف زوايا مختلفة ويوسع فهم الجمهور للحدث.
السرد المتعدد الوسائط
أوضح الباحث الأمريكي هنري جينكينز أن السرد المتعدد الوسائط لا يكتفي بعرض القصة عبر وسيلة إعلامية واحدة، بل يوزع عناصر السرد عبر عدة منصات، بحيث يقدم كل وسيط زاوية أو تفاصيل جديدة. ويمكن ملاحظة ذلك في التغطيات الإعلامية الكبرى، حيث تبدأ القصة بتقرير تلفزيوني ثم تمتد عبر مقالات ومنصات اجتماعية ومقاطع قصيرة ووثائقيات، مما يشكل تجربة سردية متكاملة تساهم في تشكيل إدراك الجمهور للواقع.
تحليل ذكي:
يبرز السرد كأداة أساسية في تشكيل الوعي الجماعي، إذ لا تقتصر وظيفته على رواية القصص فحسب، بل يمتد ليشمل تفسير الواقع عبر وسائل الإعلام والثقافة. وتبرز أهميته في قدرته على إعادة تشكيل الأحداث وفق سرديات مختلفة، مما يؤثر في إدراك الجمهور ويوجهه نحو معانٍ محددة. كما أن التطور الرقمي قد فتح آفاقاً جديدة للسرد، مما جعله أكثر تفاعلية وقدرة على تشكيل التجارب المعرفية لدى الأفراد.
ملخص الخبر:
- السرد مفهوم أساسي في الدراسات الإنسانية والإعلامية، يشمل الأدب والصحافة والسينما والإعلانات ومنصات التواصل الاجتماعي.
- يعود أصل السرد إلى أرسطو، ثم تطور مع البنيوية واللسانيات في القرن العشرين.
- السرد الإعلامي يبني روايات حول الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما يؤثر في إدراك الجمهور.
- في العصر الرقمي، أصبح السرد أكثر تفاعلية، حيث يمكن لأي فرد أن يصنع سرديته الخاصة عبر الإنترنت.
- السرد المتعدد الوسائط يوزع القصة عبر عدة منصات، مما يضيف زوايا مختلفة ويوسع فهم الجمهور.
التعليقات (0)
أضف تعليقك