عاجل

فراغٌ لا يمحوه الزمن

في قصيدة شفيق الإدريسي، يتحول البيت إلى شاهد على غياب لا يُمحى، حيث الأشياء تحتفظ بذكريات لا تغادر.

صورة لقصيدة 'وحشة الأشياء' لشفيق الإدريسي منشورة في جريدة عكاظ، تظهر كلمات شعرية عن الغياب والفراغ في البيت.

ترك النافذة مفتوحة، والفنجان على الطاولة، والقهوة تبرد ببطء، وكأن الزمن توقف عند لحظة الوداع. هكذا يرسم شفيق الإدريسي في قصيدته 'وحشة الأشياء' مشهدًا مؤلمًا لغياب لا يُنسى، حيث الأشياء تتحول إلى شهود صامتين على فراغ لا يمحوه الزمن.

البيت شاهد على غيابكِ

تركتُ النافذةَ عاريةً، للطيور، وللمطر، وللقط الأسود الذي كان يعدُّ البيت ملكًا له. وتركتُ فنجانَ القهوة على حافة الطاولة، يخفت بخاره مثل حديثٍ انطفأ قبل أن يبلغ نهايته. كنتِ تضحكين، فاختلت الملاعق، وغاص السكر في القاع كسرٍّ صغير.

الساعة تؤجل عقاربها

ذات مساء رأيتُ الساعة تراقبكِ، ومنذ رحيلكِ وهي تؤجل عقاربها. حين كنتِ تمرّين، كانت الأشجار تنحني قليلًا، ويقترب الحمام من الزجاج دون خوف. ثم مضيتِ، بحذر يشبه الاعتذار، كيلا توقظي الكراسي.

اقرأ أيضاً:
الناي العظمي أقدم آلة موسيقية في تاريخ البشرية

الأشياء تحتفظ بذكرياتكِ

بعدكِ صارت المرآة تشكُّ في وجهي، والمعطف عند الباب يشيخ واقفًا. وجدتُ وشاحكِ ذات صباح فلم ألمسه، خشيتُ أن تخرج من رائحته رائحة غيابكِ. وضعت كرسيًّا فارغًا إلى جواري، لا انتظارًا لكِ، بل كي لا تتسع الغرفة أكثر.

الورد اليابس والكرسي الفارغ

في كتابٍ قديم عثرتُ على وردةٍ يابسة. لا أعرف من دسّها هناك، ربما أنتِ، وربما الربيع ترك قلبه بين الصفحات. في الليل كان القمر وحده في المطبخ، يشرب الحليب ويعدّد ما يخلّفه العُشاق: مفتاحًا، أغنيةً مبتورة، ونصف حلم لا يجد سريرًا.

الخطوات التي لم تكن سوى الريح

في الصباح سمعتُ خطاكِ في الممر، فتوقفتُ عن التنفس. كان الصوت للريح، لكنني لم أعاتبها. فتحتُ الخزانة، وجدتُ ثوبًا لكِ ما زال يحتفظ بانحناءة الجسد، كأن الغياب لم يتعلّم بعد كيف يمحو الأشياء.

لا تفوتك هذه القصة:
تأثير الإعلام على الأطفال عبر العصور دراسة تاريخية وتحليل معاصر

النباتات تتوقف عن النمو

على الرف كأسٌ لم ألمسها، وحيدة منذ شهور، تلمع كلما مرّ الضوء بها، كأنما تذكرت شفتيكِ. حتى النباتات توقفت عن النمو، كانت تمد أوراقها نحو الباب ثم تعود خائبة. وفي آخر النهار جلستُ إلى الطاولة، وكتبتُ اسمكِ على ورقة، ثم تركتُ الحبر يجف.

بقعةٌ زرقاء تشبه نافذة

حين عدتُ إلى الورقة لم أجد اسمكِ، وجدتُ بقعةً زرقاء تشبه نافذة على شيء لا أستطيع بلوغه. أغلقت النافذة أخيرًا، وتركتُ فيها شقًّا صغيرًا، ليس انتظارًا لكِ، فقط كي يجد الغياب طريقه إلى الخارج.

تحليل ذكي:

تتجلى في قصيدة شفيق الإدريسي 'وحشة الأشياء' قدرة اللغة الشعرية على تحويل الأشياء اليومية إلى رموز للغياب والألم. من النافذة المفتوحة إلى الكرسي الفارغ، ومن الساعة التي تؤجل عقاربها إلى الورد اليابس في الكتاب، كل عنصر في القصيدة يصبح شاهدًا على فراغ لا يمحوه الزمن.エドريسي لا يصف الغياب بوصف مباشر، بل يجعل الأشياء هي التي تتحدث، مما يضفي على القصيدة عمقًا نفسيًا وجماليًا يجعلها تتجاوز حدود الشعر إلى فلسفة في الوجود والعدم.

ملخص الخبر:

  • ترك النافذة مفتوحة للطيور والمطر والقط الأسود الذي كان يعتبر البيت ملكًا له.
  • الفنجان على الطاولة والقهوة تبرد ببطء، وكأن الزمن توقف عند لحظة الوداع.
  • الساعة تؤجل عقاربها منذ رحيلكِ، والأشجار تنحني حين تمرين، والحمام يقترب من الزجاج دون خوف.
  • المرآة تشك في الوجه، والمعطف عند الباب يشيخ واقفًا، والوشاح لم يُمس بعد خشية أن تخرج منه رائحة غيابكِ.
  • الورد اليابس في الكتاب، والقمر في المطبخ يشرب الحليب، والخطوات في الممر كانت للريح.
  • الثوب يحتفظ بانحناءة الجسد، والكأس لم تُمس منذ شهور، والنباتات توقفت عن النمو.
  • كتابة اسمكِ على ورقة ثم اختفاؤه، تاركًا بقعة زرقاء تشبه نافذة على شيء لا يُبلغ.
  • إغلاق النافذة بترك شقٍّ صغير، كي يجد الغياب طريقه إلى الخارج.

التعليقات (0)

أضف تعليقك