عودة الشعراء إلى بغداد بعد قرن من الميلاد
تحتفل بغداد بمئوية ثلاثة من أبرز شعرائها الذين شكلوا ملامح الشعر العربي الحديث
تستعد العاصمة العراقية بغداد لاستضافة مهرجان ثقافي كبير يكرم ثلاثة من أبرز شعرائها الذين ولدوا قبل مئة عام، وهم بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري، في حدث يعيد إلى الأذهان إرثاً شعرياً لا يزال صداه يتردد في المشهد الثقافي العربي.
مئوية الرواد.. احتفاء بثلاثة أصوات شكلت الشعر العربي
ينطلق في بغداد خلال الفترة من الأول إلى الثالث من أكتوبر المقبل مهرجان "مئوية الرواد"، الذي يحتفي بمرور مئة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري. ويهدف المهرجان، الذي تنظمه المستشارية الثقافية في مكتب رئيس الوزراء ووزارة الثقافة والسياحة والآثار والاتحاد العام للأدباء والكتاب بدعم من رابطة المصارف الخاصة العراقية، إلى تسليط الضوء على مساهماتهم في تشكيل ملامح الحداثة الشعرية العربية.
ويأتي هذا الاحتفاء بعد قرن من الزمن، إذ ارتبطت أسماء هؤلاء الشعراء بتحولات جوهرية شهدتها القصيدة العربية خلال القرن العشرين، حيث تجاوزت تجاربهم التجديد الشكلي إلى طرح أسئلة عميقة حول الإنسان والوطن والمنفى والتحولات الاجتماعية والسياسية.
ثلاثة تجارب.. منعطف واحد
على الرغم من اختلاف رؤى السياب والبياتي والحيدري وأساليبهم، إلا أنهم التقت جميعاً في الرغبة في إعادة النظر في الشكل التقليدي للقصيدة والانفتاح على إيقاعات وتجارب شعرية أكثر رحابة. وقد ظل هؤلاء الشعراء جزءاً أساسياً من النقاش حول نشأة الشعر الحديث في العراق وتطوره، لاسيما وأن بغداد، المدينة التي ارتبطت بكثير من الحركة الثقافية العراقية، ستشهد هذا الاحتفاء بهدف إعادة تقديم هؤلاء الشعراء إلى أجيال جديدة لا بوصفهم أسماءً من الماضي فحسب، وإنما باعتبار منجزهم مادة قابلة للقراءة وإعادة التأويل.
السياب.. صوت المطر والوطن
يُعد بدر شاكر السياب أحد الأسماء المؤسسة للشعر الحر، وقد ارتبط اسمه بصورة خاصة بقصيدة "أنشودة المطر" التي صدرت عام 1960 في ديوان يحمل الاسم نفسه. وقد اعتبرت هذه القصيدة من الأعمال المفصلية في تطور الشعر الحر، كما تميزت تجربته باستحضار البيئة العراقية والرمز والأسطورة والهم الوطني والإنساني. ولم تقتصر مساهماته على الشعر فحسب، بل اهتم بالأدب العالمي وترجم العديد من القصائد والأعمال الحديثة، فيما انعكست معاناته الصحية في جوانب متعددة من كتابته. وتوفي السياب عام 1964 مخلفاً وراءه تجربة شعرية امتد تأثيرها إلى أجيال متعاقبة.
البياتي.. شاعر المنفى والسفر
تشكلت تجربة عبد الوهاب البياتي في قلب حركة الشعر العربي الحديث، واتسمت حياته بكثرة التنقل بين البلدان، مما جعل المنفى والسفر والتحولات السياسية والإنسانية حاضرة بقوة في عالمه الشعري. وقد صدرت له دواوين عديدة من بينها "أباريق مهشمة" و"أشعار في المنفى"، كما تم مؤخراً نشر أعماله الشعرية الكاملة في ثلاثة أجزاء ضمن جهود إعادة نشر تراثه الشعري وإتاحته للقراء. وتوفي البياتي عام 1999 بعد مسيرة أدبية امتدت لعقود ظل خلالها اسمه حاضراً في تاريخ الحداثة الشعرية العربية.
الحيدري.. قصيدة الغربة والتأمل
يأتي بلند الحيدري ليكمل أضلاع هذا المثلث الشعري، فقد ولد في بغداد عام 1926 وبرز منذ أربعينيات القرن الماضي ضمن الأصوات التي أسهمت في ترسيخ التجديد الشعري. وتنوعت اهتماماته بين الشعر والثقافة والعمل الصحفي والنشاط العام، فيما اتسمت تجربته بقدر واسع من التأمل والاغتراب والتحولات الفكرية. ومن أبرز دواوينه "خفقة الطين" و"أغاني المدينة الميتة" و"جئتم مع الفجر"، وتوفي في لندن عام 1996 مخلفاً أثراً واضحاً في حركة الشعر العراقي الحديث.
بغداد تستعيد الذاكرة
يشتمل برنامج "مئوية الرواد" على فعاليات متنوعة تستعيد المنجز الشعري والفكري للشعراء الثلاثة، إلى جانب جلسات قرائية ونقدية تسلط الضوء على تجاربهم وتحولاتها وموقعها في مسار الحداثة الشعرية. وتأتي الفعاليات على مدى ثلاثة أيام تجمع أدباء ونقاداً وضيوفاً من العراق والعالم العربي، في محاولة لفتح حوار جديد مع إرث شعري تجاوز زمن أصحابه. وتكتسب المئوية دلالة تتجاوز الاحتفاء بذكرى الميلاد، إذ تعني استعادة السياب والبياتي والحيدري العودة إلى اللحظة التي بدأت فيها القصيدة العراقية إعادة اكتشاف أدواتها وأسئلتها، وإلى جيل جعل من الشعر مساحة لمواجهة أسئلة العصر لا مجرد استعادة للموروث.
تحليل ذكي:
يأتي احتفاء بغداد بمئوية ثلاثة من أبرز شعرائها في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى إعادة قراءة الإرث الثقافي العربي في ضوء التحولات المعاصرة. فبينما ظل السياب والبياتي والحيدري جزءاً من النقاش حول نشأة الشعر الحديث، فإن استعادتهما اليوم تأتي في سياق محاولة إعادة تقديم الشعر العربي إلى أجيال جديدة لا بوصفه تراثاً جامداً، وإنما باعتباره مادة حية قابلة للتأويل والتفاعل مع أسئلة الحاضر. كما أن اختيار بغداد作为 مكان للاحتفاء بهذه المئوية لا يخلو من دلالة، إذ ترتبط المدينة ارتباطاً وثيقاً بمسار هؤلاء الشعراء، مما يجعلها بمثابة جسر بين الماضي والحاضر في المشهد الثقافي العربي.
ملخص الخبر:
- يستعد مهرجان "مئوية الرواد" في بغداد للاحتفاء بمرور مئة عام على ميلاد الشعراء بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري
- يهدف المهرجان إلى تسليط الضوء على مساهماتهم في تشكيل ملامح الحداثة الشعرية العربية
- ارتبطت تجارب الشعراء الثلاثة بتحولات جوهرية في القصيدة العربية خلال القرن العشرين
- يتضمن المهرجان فعاليات قرائية ونقدية تجمع أدباء ونقاداً من العراق والعالم العربي
- تأتي المئوية في بغداد، المدينة التي ارتبطت بمسار هؤلاء الشعراء، بهدف إعادة تقديمهم كأصوات حية في المشهد الثقافي المعاصر
التعليقات (0)
أضف تعليقك