عندما تمنح الرواية حياةً جديدة لابن عربي خارج التاريخ
رواية «موتٌ صغير» لمحمد حسن علوان تُعيد تشكيل سيرة المتصوف ابن عربي في فضاء روائيٍّ يتجاور فيه التاريخ بالتخييل
عندما أهدى الأستاذ حمد آل حزيه الكاتب رواية «موتٌ صغير» الفائزة بجائزة الرواية العربية 2017م، لم يكن مجرد تقديم كتاب، بل دعوة إلى عالمٍ مختلفٍ كليًّا. فهل استطاعت الرواية أن تحقّق وعدها؟
روايةٌ تأتي محمولةً بأرواح أصحابها
إنّ أجمل ما في الكتب التي تأتينا من الأصدقاء أنّها لا تدخل مكتباتنا محفوفة، بل تأتي مصحوبةً بأصواتهم وأفكارهم وشيءٍ من أرواحهم. وهكذا كانت «موتٌ صغير» لمحمد حسن علوان، التي لم تكن روايةً أبحث عنها، وإنّما جاءتني محمولةً وكأنّها موعد على تخوم المعنى مع عالَمٍ لم أكن أعرف أنّني سأمكث فيه لأمد.
ابن عربي خارج حدود السيرة التقليدية
حين شرعتُ في قراءتها أدركتُ أنّ الرواية تأخذنا إلى عالَم محيي الدين ابن عربي، ذلك المتصوّف الذي تحوّلت حياته إلى رحلةٍ طويلة بين المدن والوجوه والأفكار من الأندلس إلى المغرب والمشرق. لكنّ علوان لم يُقدّم لنا سيرةً تاريخيةً بالمعنى التقليدي، بل أعاد تشكيل الشخصية في فضاءٍ روائيٍّ تتجاور فيه الوقائع المتخيَّلة مع الوقائع التاريخية، ليصبح ابن عربي إنسانًا يتألّم ويُحبُّ ويفقد ويرتحل قبل أن يكون اسمًا كبيرًا في تاريخ التصوّف.
جماليات المسافة بين التاريخ والرواية
هنا تحديدًا وجدتُ نفسي أمام ما يُمكن أن أسمِّيه جماليات المسافة بين الشخصية التاريخية والشخصية الروائية؛ فالأولى تستدعي من القارئ أسئلته المعرفية والفكرية، أمّا الثانية فتستدرجه إلى عالمها الإنساني وتجعله يتتبّع تحوّلاتها ويُصغي إلى هواجسها ويشاركها شيئًا من غربتها. وقد نجح علوان في توظيف هذه المسافة ليمنح الشخصية حياةً سرديةً تتجاوز حدود الترجمة التاريخية دون أن تنفصل تمامًا عن ملامحها المعروفة.
الارتحال الداخلي صورة للارتحال الخارجي
ولم يكن أكثر ما استوقفني في الرواية اتّساع رحلات ابن عربي ولا تعدّد الشخصيات التي عبَرت حياته، بل تلك البنية السردية التي استطاعت أن تجعل من الارتحال الخارجي صورةً للارتحال الداخلي. فكلّما مضيتُ في صفحات الرواية صرت أشعر أنّ المكان يتراجع شيئًا فشيئًا أمام المعنى، وأنّ الرحلة لم تعد انتقالًا من مدينةٍ إلى أخرى، بل انتقالًا من سؤالٍ إلى سؤالٍ أكثر إلحاحًا.
تعدّد الأصوات والزمن في الرواية
أحسب أنّ جميل صُنع علوان يكمن في عدم ترك الحكاية أسيرة صوتٍ واحدٍ أو زمنٍ واحد، فقد أقام تعدّد الأصوات ببناء سردي تتقاطع فيه سيرة ابن عربي مع رحلة المخطوط الذي يحملها عبر قرونٍ متعاقبة؛ إذ يموت صاحب الحكاية بينما تظلّ الحكاية نفسها مقاومةً للفناء. وهكذا تتشكّل أمام القارئ رحلتان متوازيتان تتمثلان في رحلة الإنسان في حياته، ورحلة النصّ بعد غياب صاحبه.
الموت والبقاء في عالم الرواية
وقد وجدتُ في هذه المفارقة ما يستحقّ التأمّل؛ فالإنسان يرحل، ولكنّ أثره قد يواصل السفر، وتغيب ملامحه بينما تظلّ كلماتُه قادرةً على استدعاء حضوره في أزمنةٍ لم تُتح له وأمكنةٍ لم تطأها قدماه. وكأنّ الرواية من خلال حكاية المخطوط تشتبك مع سؤال المصير الذي تؤول إليه الأفكار حين تنفصل عن أصحابها، وتُصبح جزءًا من ذاكرة الآخرين.
الفنّ والفكر: مسافة لا تُلغي المتعة
غير أنّ إعجابي بهذا البناء الفني لا يعني بالضرورة أنّني أتّفق مع التصوّرات الفلسفية والصوفية التي ارتبطت بشخصية ابن عربي. فثمّة فرقٌ جوهريٌّ بين أن نُعجب بالطريقة التي يُبنى بها المعنى فنتبنّى المعنى ذاته؛ وبين أن نستمتع بقدرة النصّ على تمثيل تجربةٍ فكريةٍ معيَّنة دون أنّ نُسلّم بصحّة تصوّراتِها ومعتقداتها.
القراءة لقاءٌ حرّ بين عالَمين
وحسبُ الأدب أحيانًا أن يأخذنا إلى حيث لم نكن، ثم يُعيدنا إلى حيث أنفسنا أكثر قدرةً على التأمّل، وأكثر وعيًا بالمسافة بين ما نقرؤه وما نعتقده. فقد كنتُ أقرؤها بعينٍ تتذوّق الفنّ وأخرى تتأمّل الفكر دون أن أسمح لإحداهما بأن تصادر وظيفة الأخرى.
اللغة بين الشعرية والسرد
وعلى مستوى اللغة وجدتُ أنّ الرواية تستمدّ جانبًا من جاذبيتها في قدرتها على الموازنة بين التعبير الشاعري والحركة السردية. فاللغة لا تكتفي بوصف الوقائع بقدر ما تسعى إلى استنطاق ما وراءها بإضفاء أبعادٍ وجدانيةٍ على التجربة. ومع ذلك، فإنّ اللغة التي تتكئ على التأمّل والاستبطان قد تُبطئ أحيانًا إيقاع الحكاية، وتدفع القارئ إلى التوقّف طويلًا أمام الفكرة قبل أن يواصل تتبّع الحدث.
«موتٌ صغير» عنوانٌ يختزل رؤية الوجود
وقد أعادني هذا المعنى إلى تأمّل علاقتنا بالقراءة ذاتها؛ فالكتاب الذي نغلقه بعد الانتهاء منه لا يغدو الكتاب الذي فتحناه في البداية، وإنّما وعي قد تحرّك. وربّما كانت قيمة الرواية في قدرتها على إحداث هذه الحركة، وعلى دفعنا إلى مُساءلة ما كنّا نظنّه مُستقرًّا في داخلنا حتى وإن أنهينا إلى التمسّك بقناعاتنا الأولى.
خروجٌ من الرواية بإعجابٍ ومسافة فكرية
حين أغلقت الصفحة الأخيرة من «موتٌ صغير»، عادت إليَّ كلمات صديقي الأستاذ حمد آل حزيه، وتذكّرتُ تحذيري له من أن يُحرق الرواية قبل أن أقرؤها. ابتسمت حينها.. وما ذاك لأنّ انطباعي جاء مطابقًا لانطباعه فحسب، بل لأنّ الرواية استطاعت أن تمنحني تجربتي الخاصة، وأن تفتح أمامي عالمًا لم أكن مُضطرًّا إلى الانتماء إليه لولا متعة استكشافه. لقد خرجتُ من الرواية بإعجابٍ واضحٍ ببنيتها الفنية، وبقدرة محمد حسن علوان على تحويل السيرة إلى حكايةٍ تتجاوز صاحبها، غير أنّي خرجتُ منها أيضًا مُحتفظًا بمسافتي الفكرية من ابن عربي.
تحليل ذكي:
تتناول الرواية «موتٌ صغير» لمحمد حسن علوان سيرة المتصوف ابن عربي من منظورٍ روائيٍّ يتجاور فيه التاريخ بالتخييل، ما يتيح للقارئ أن يعيش تجربةً إنسانيةً تتجاوز حدود السيرة التقليدية. يُظهر الكاتب مهارته في بناء بنية سرديةٍ تتقاطع فيها الأصوات والزمن، ما يمنح الشخصية حياةً تتجاوز حضورها التاريخي. ورغم إعجاب الكاتب بالبناء الفني، فإنه يحافظ على مسافة نقديةٍ من الأفكار الفلسفية للصوفي، ما يبرز دور الأدب في تمكين القارئ من استكشاف التجارب الإنسانية دون فرضها عليه.
ملخص الخبر:
- رواية «موتٌ صغير» لمحمد حسن علوان الفائزة بجائزة الرواية العربية 2017م تُعيد تشكيل سيرة ابن عربي في فضاء روائيٍّ يتجاور فيه التاريخ بالتخييل
- الرواية لا تقدم سيرة تاريخية تقليدية، بل تجعل من ابن عربي شخصية إنسانية تتألّم وتحبّ وترتحل
- نجح علوان في توظيف المسافة بين الشخصية التاريخية والشخصية الروائية ليمنحها حياةً سرديةً تتجاوز حدود الترجمة التاريخية
- البنية السردية للرواية تجعل من الارتحال الخارجي صورةً للارتحال الداخلي، حيث يتحوّل المكان إلى معنى
- تعدّد الأصوات والزمن في الرواية يمنح الحكاية بعدًا يتجاوز حياة صاحبها، ما يثير سؤال المصير الذي تؤول إليه الأفكار بعد غياب أصحابها
- Language in the novel balances poetic expression with narrative movement, though its reflective nature may slow the pace for some readers
- الرواية تُظهر أنّ القراءة ليست تنازلًا عن حقّ الاختلاف، بل لقاءٌ حرّ بين عالَمين يلتقيان في الجمال ويفترقان في الفكرة
التعليقات (0)
أضف تعليقك