عاجل

صحافة الفن رحلة من الغياب إلى الحضور

صحافة «الرياض» وثقت التحول الفني في الرياض من غياب الحفلات إلى عودة المسرح والسينما

صورة تظهر مكينة طباعة صحيفة «الرياض» أثناء تحركها، مع أوراق الصحف تتدفق منها، تجسد نهاية الطباعة الورقية وبداية حفظ الذاكرة الصحفية

عندما التحق الكاتب بصحيفة «الرياض» في مايو 2004، لم يكن الفن سوى حديث محصور في مساحات اجتماعية ضيقة، devoid من الحفلات الغنائية أو المسرح المحترف أو صناعة السينما. اختار الكاتب أن يكتب عن الفن كما يراه، لا كما تسمح به اللحظة، فبدأ بمحاورة نجوم الدراما والغناء، ثم توسعت دائرة حواراته إلى الخليج والعالم.

بداية الرحلة الصحفية

عندما دخلت «جريدة الرياض» في مايو 2004، لم تكن المدينة ولا الفن قد تغيّر بعد. لم يكن هناك حفلات غنائية ولا مسرح محترف ولا صناعة سينما تذكر. كان الفن محكوماً بمساحات اجتماعية فكرية ضيقة، فلم تكن جرأة الصحافي تسمح بالكثير من الأسئلة. فاختار الكاتب أن يكتب عن الفن كما يراه، لا كما تسمح به اللحظة.

حوارات تجاوزت الحدود

لم يكن الحوار مع الفنان مجرد مناسبة ترويجية، بل كان عراكاً مستمراً مع النجوم الذين رأوا فكرته عكس ما يؤمنون به. بدأ بمحاورة نجوم الدراما والأغنية، ثم اتسعت الدائرة إلى الخليج والعالم، من وديع الصافي وحياة الفهد إلى ويل سميث ومارتن لورانس. أراد أن يرى الفن من داخله، وأن يلتقي أكثر من جيل، لأن اختزال الموسيقى والدراما في جيل واحد يعني اختزال التاريخ.

اقرأ أيضاً:
اشتراكك في النشرة الإخبارية اليومية أصبح متاحاً الآن

البحث عن الذاكرة

في يناير 2005، فتح الكاتب ملفاً حول الاقتباسات في الأغنية، باحثاً في أعمال مرتبطة بأسماء مثل بشير شنان وعيسى الأحسائي وفهد بن سعيد، محاولاً الوصول إلى أصل الأغنية وروايتها الأولى. لم تكن المسألة بحثاً عن الإثارة، وإنما عن الذاكرة، فالأغنية التي تنتقل من صوت إلى آخر قد تفقد معها المصدر الأول، وإذا لم توثق الصحافة هذه التفاصيل، ذهب جزء من التاريخ معها.

«ذهبيات» و«مساحة زمنية»

قبل «ذهبيات»، كان الكاتب يعود إلى الأغنية القديمة ليبحث عن أسباب بقائها وعن شاعرها وملحنها ومطربها وظروف ولادتها وفلسفتها الأدبية. توسعت «مساحة زمنية» لتشمل التلفزيون والإذاعة ومولد الدراما والسينما وانفجارية المسرح ونجوميته. كان فهد بن سعيد واحداً من أبرز الملفات، حيث عاد الكاتب إلى بداياته عام 1959، وإلى تجربته واعتزاله وشهادات من عرفوه، ثم امتد البحث إلى طلال مداح ومحمد عبده وسراج عمر وغيرهم.

الفن جغرافيا وذاكرة

كان بشير شنان يأخذ الكاتب إلى الرياض القديمة، إلى شارع الخزان والشميسي ومنفوحة، التي لم تعد مجرد أسماء في أغنيات شعبية، بل أصبحت مفردات تحفظ جغرافيا المدينة وذاكرتها الاجتماعية وسلوك سكانها. في بعض الملفات، كان يجد روايات مختلفة حول أغنية واحدة، فكان يعود إلى الشهود والتسجيلات، لأن توثيق الفن لا يقوم على الرواية الأكثر انتشاراً، وإنما على الرواية التي يمكن التحقق منها.

لا تفوتك هذه القصة:
فوائد الأناناس الصحية التي لا تعرفها

«سواليف حارتنا».. قصص تتحول إلى وثائق

«سواليف حارتنا» كانت مساحة مختلفة، قصص قصيرة مبتكرة من الحارة تنشرها «الرياض»، حققت انتشاراً كبيراً وردود فعل واسعة من خلال الشخصيات والمواقف والتفاصيل الصغيرة. كان الكاتب يعود فيها إلى الماضي ثم يتركه يلامس الحاضر، لأن التفاصيل التي تبدو صغيرة قد تصبح بعد سنوات وثيقة عن المكان والناس.

«ثقافة اليوم».. beyond الأغنية

«ثقافة اليوم» تركت مجالاً خصباً للمواد الصحافية، وظهرت في ذلك الوقت «انطباعات فضائية»، اتجهت إلى الدراما والبرامج، لأن المشهد الفني لا تصنعه الأغنية وحدها. كان الكاتب يتابع المسلسلات والبرامج، ويرى كيف تتغير الدراما وتتغير معها ذائقة المشاهد.

الإنسان خلف الفنان

الصحافة الفنية لا تعبر دائماً عن الفن وتفاصيله، وإنما عن الإنسان خلف الفنان. جاءت متابعات سالم الحويل وحمد الطيار ومحمد شفيق وغيرهم من صفحات «الرياض» إلى مساحات أخرى، فتفاعل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز مع حالة سالم الحويل حين كان أميراً للرياض، وتدخل في علاجه والاهتمام بإسرته، كما تدخل الملك عبدالله بن عبدالعزيز في علاج حمد الطيار، ووقف الأمير متعب بن عبدالله إلى جانب الموسيقار محمد شفيق في علاجه. تلك الملفات تذكرنا بأن الصحافة تستطيع أن تنقل معاناة إنسان، لا أن تكتفي بتسجيل خبر عنه.

المهنية في تفاصيل الألم

في عام 2011، كانت متابعة مرض محمد عبده واحدة من التجارب الصحفية التي عملقت المهنية ومصداقيتها. لم يكن الخبر إصابة فنان وانتهى، بل بدأت متابعة تطورات حالته، والتصريحات المتعلقة بعلاجه ونقله، وما صدر عن أسرته بشكل خاص لـ«الرياض»، من بينها تصريح نورة ابنة محمد عبده. كان مهماً أن يعرف القارئ تطورات حالة الفنان الأسطورة الذي عاش تفاصيل وتحولات المجتمع قاطبة.

السؤال الدائم عن الحفلات

ظل السؤال عن الحفلات والمسرح حاضراً دائماً: «لم غيبت الحفلات الغنائية في الرياض؟» كتب الكاتب عن هذا في 2010، ثم عاد في 2012 وقدم أمسية فنية عن ملامح البيئة المحلية في الأغاني، في وقت لم يكن المشهد الفني قد وصل إلى ما نراه اليوم. كان ضيقاً لكن كانوا يؤمنون أن الفن لا يعيش بعيداً عن المجتمع، وأن عودته إلى المدينة ليست مجرد عودة حفلة، وإنما عودة جزء من الحياة الثقافية.

عودة الفن إلى الرياض

في مارس 2017، عادت الحفلات واتسع المسرح، ودخلت السينما السعودية مرحلة جديدة، وتأسست الهيئات والمؤسسات التي أعادت تشكيل الثقافة والترفيه. أصبحت الرياض تستقبل الفنان السعودي والعالمي. عاش الكاتب المرحلة من طرفيها: كتب عن الغياب، ثم رأى العودة. هذا ما جعل تجربة «الرياض» تكبر بين الصفحة الفنية، أكثر من 22 عاماً من متابعة التحول، من الشريف هاشم وطلال مداح وفهد بن سعيد إلى الأجيال الجديدة، ومن الأغنية الشعبية إلى الحفلات الكبرى.

الفن والمدينة والتاريخ

لم يكن الكاتب يريد أن يكتب عن الماضي لمجرد الحنين، ولا عن الجديد لمجرد أنه جديد. كان يبحث عن العلاقة بينهما، وعن الفنان الذي صنع الذاكرة، والفنان الذي جاء ليكملها، وعن المدينة التي تغيرت معهما كل التفاصيل.

الورقة الأخيرة.. ذاكرة لا تموت

اليوم، في العدد الورقي الأخير لـ«الرياض»، لا يجد الكاتب أن الحكاية تحتاج إلى رثاء. فالورق وسيلة، والصحافة تبقى عندما تتحول إلى ذاكرة. دخل الكاتب «الرياض» في مايو 2004، ووجد أمامه مدينة كاملة وأسئلة وثقافة فن تتحرك في مساحة ضيقة. بعد أكثر من 22 عاماً، يجد المدينة مختلفة والفن مختلفاً والأسئلة مختلفة أيضاً.

الصحفي الحقيقي.. باحث عن التفاصيل

لكن شيئاً واحداً لم يتغير: أن الصحفي الحقيقي لا ينتظر التاريخ حتى يكتمل، يذهب إلى تفاصيله، حيث تحدث ويسأل عنها، ويوثقها، ثم يتركها للأرشيف. ربما، حينما ينظر إلى ما تركه في ورق «الرياض»، لا يرى صفحات عن الفن فقط، بل يرى جزءاً من زمن عاشه وجزءاً من مدينة تغيرت وجزءاً من ذاكرة صحيفة ورقية كانت شاهدة على كل ذلك.

الورقة الأخيرة ليست نهاية «الرياض»، إنما هي آخر مرة تتحرك فيها مكينة الطباعة ويدور معها الورق، حيث سيظل محفوظاً في الذاكرة.

تحليل ذكي:

تسلط هذه المقالة الضوء على الدور الحيوي الذي لعبته صحيفة «الرياض» في توثيق التحول الفني في المملكة، من مرحلة غياب الحفلات والمسرح إلى عودة المشهد الثقافي بقوة. لم تقتصر مهمة الصحيفة على تغطية الأحداث الفنية، بل تعدتها إلى البحث في أصول الأعمال الفنية، وتوثيق حياة الفنانين، وحتى التدخل في قضايا إنسانية تخصهم، مما يعكس عمق العلاقة بين الصحافة والفنان والمجتمع. كما تبرز المقالة كيف تحولت «الرياض» من مجرد صحيفة إلى أرشيف حي للذاكرة الثقافية والاجتماعية، لاسيما في ظل غياب مثل هذه التغطيات في السابق.

ملخص الخبر:

  • التحق الكاتب بصحيفة «الرياض» في مايو 2004، ووجد الفن محصوراً في مساحات اجتماعية ضيقة دون حفلات أو مسرح محترف
  • اختار الكاتب كتابة الفن كما يراه، لا كما تسمح به اللحظة، فبدأ بمحاورة نجوم الدراما والغناء محلياً وعالمياً
  • في يناير 2005، فتح ملفاً حول الاقتباسات في الأغنية باحثاً عن أصلها وروايتها الأولى لحفظ الذاكرة
  • «ذهبيات» و«مساحة زمنية» وثقتا بدايات الموسيقى المعاصرة في المملكة من خلال ملفات بحثية عميقة
  • «سواليف حارتنا» قدمت قصصاً قصيرة من الحارة أصبحت وثائق اجتماعية بعد سنوات
  • «ثقافة اليوم» توسعت لتشمل الدراما والبرامج، لأن المشهد الفني لا تصنعه الأغنية وحدها
  • متابعات «الرياض» للإنسان خلف الفنان، مثل سالم الحويل وحمد الطيار ومحمد شفيق، أظهرت تأثير الصحافة في حياة الناس
  • متابعة مرض محمد عبده في 2011 أظهرت المهنية في تغطية تفاصيل الألم الإنساني
  • السؤال عن غياب الحفلات في الرياض ظل حاضراً حتى عادت في مارس 2017 مع توسع المسرح والسينما
  • بعد 22 عاماً، أصبحت الرياض تستقبل الفنانين السعوديين والعالميين، وتحولت «الرياض» إلى أرشيف للذاكرة الثقافية

التعليقات (0)

أضف تعليقك