رحيل مصور عاش أربعين عاماً في صحراء السعودية
مصور برازيلي ترك بصمة خالدة في ذاكرة المملكة من خلال عدسته التي وثقت تحولاتها
رحل المصور البرازيلي هومبرتو مارتنز دا سيلفيرا بعد حياة قضاها في التقاط صور للمملكة العربية السعودية، تاركاً وراءه أرشيفاً بصرياً لا يعوض، ومشاريع وثقت تاريخ البلاد وتحولاتها عبر عقود من الزمن.
بداية الرحلة
قبل أكثر من عشرين عاماً، رفض دا سيلفيرا التقاط صورة له حين طلب منه محاور صحفي ذلك، قائلاً: «صوري تتحدث عني»، ليرسم بذلك عقيدته المهنية التي التزم بها طوال حياته. عاش دا سيلفيرا نحو اثنين وسبعين عاماً، قضى أربعة عقود منها في السعودية، التقط خلالها عشرات الآلاف من الصور للبلاد التي كانت تتغير بسرعة فائقة، ولم يترك لنفسه سوى صورة واحدة.
البدوي البرازيلي
جاء دا سيلفيرا إلى السعودية عام 1985 زائراً، لكنه وقع في حب المكان الذي لا مكياج فيه ولا إضاءة مصطنعة، остался هناك أربعين عاماً كاملة. لقبه مواطنوه البرازيليون «البدوي البرازيلي» لكثرة ترحاله في أرياف المملكة وبواديها. من ذلك الترحال ولدت مشاريعه الكبرى التي صارت اليوم أرشيفاً لا يعوض، مثل «نجد» الذي وثّق العمارة الطينية وقراها قبل أن تعيد الحداثة تشكيل المشهد، و«بدو» الذي سجّل حياة آخر بدو الجزيرة الحقيقيين، و«التوحيد» الذي تتبّع مواقع تأسيس الدولة السعودية.
مشروع «هجر» الأطول نفساً
كان مشروع «هجر» أطول مشاريع دا سيلفيرا نفساً، حيث أمضى اثنان وعشرون عاماً متصلة يعود فيها إلى مدائن صالح، ليبني سجلاً بصرياً لمكان صار اليوم أيقونة السياحة السعودية وأول موقع سعودي في قائمة التراث العالمي. لم يكن دا سيلفيرا مصوراً فحسب، بل كان مرمّم ذاكرة، حيث تولى صيانة صور مكسوة بالغبار في كتاب عن حياة الملك سعود، وصيانة أقدم صورة للملك عبدالعزيز في الأرشيف الروسي.
علاقة وثيقة بالمؤسسات
عرفته المؤسسات قبل أن يعرفه الجمهور، حيث رافق الأمير سلطان بن سلمان في مسيرة توثيق التراث منذ عقود. وعُرضت أعماله ضمن معرض «طرق الجزيرة العربية» الذي جاب متاحف العالم منذ 2010. في 2002 قلّده الرئيس البرازيلي وسام «ريو برانكو» تقديراً لما قدّمه للعلاقات بين البلدين عبر التصوير.
المفارقة الأخيرة
رغم تكريم المؤسسات السعودية له، لم تكتب بلاده البرازيل عنه حين رحل، وكتبت عنه البلاد التي صوّرها. اختار دا سيلفيرا أن يُدفن في تراب السعودية مسلماً، على مرمى عدسة من الدرعية التي طالما وثّق كاميرته حكايتها. يبقى سؤال مطروحاً: أين يستقر أرشيف دا سيلفيرا الآن؟
تحليل ذكي:
يبرز رحيل دا سيلفيرا أهمية دور المصورين في حفظ الذاكرة التاريخية والثقافية للمجتمعات، خاصة في ظل التحولات السريعة التي قد تمحو تفاصيل هامة من التاريخ. كما يسلط الضوء على العلاقة الوثيقة بين الفن والذاكرة، وكيف يمكن للعدسة أن تكون أداة لإعادة إحياء الماضي وصيانته للأجيال القادمة. تطرح وفاته تساؤلات حول مسؤولية المؤسسات الثقافية في الحفاظ على الإرث البصري الذي تركه.
ملخص الخبر:
- عاش دا سيلفيرا 72 عاماً، قضى 40 عاماً منها في السعودية، التقط خلالها عشرات الآلاف من الصور.
- رفض التقاط صورته الشخصية، مؤمناً بأن صوره هي من تتحدث عنه.
- ترك مشاريع وثائقية كبرى مثل «نجد» و«بدو» و«التوحيد» و«هجر»، التي صارت أرشيفاً لا يعوض.
- تولى صيانة صور تاريخية، منها صور الملك سعود والملك عبدالعزيز.
- رافق الأمير سلطان بن سلمان في مسيرة توثيق التراث، وعُرضت أعماله في متاحف عالمية.
- حصل على وسام «ريو برانكو» من الرئيس البرازيلي تقديراً لإسهاماته.
- دفن في السعودية مسلماً، بعد أن اختارها وطناً ثانياً له.
التعليقات (0)
أضف تعليقك