الناقد فيصل الجهني: وسائل التواصل حررت الثقافة من الاحتكار لكنها أغرقتها بالضجيج
الناقد فيصل الجهني ينتقد انشغال النقاد بتلميع أسمائهم والدفاع عن ممتلكاتهم القديمة بدلاً من خدمة القارئ
منذ نشر أولى مقالاته عام 1992، لم يتوقف الناقد فيصل الجهني عن مساءلة المشهد الثقافي السعودي، متحولاً من المتفرج إلى الفاعل في قلب النقاشات الأدبية. في حوار مطول مع «عكاظ»، يكشف الجهني عن رؤيته لدور النقد في الصحافة، وأزمة الإبداع في الرواية السعودية، وتأثير وسائل التواصل على الثقافة، معتبراً أن انشغال النقاد بتلميع أسمائهم يعيق تطور القارئ والروائي على حد سواء.
كيف تشكّلت علاقتك بالقراءة والكتابة؟
بدأ حب القراءة مع أبي، مدير مدرسة كان قريباً من عالم الكتب. قرأت مبكراً أعمالاً مثل «المغامرين الخمسة» و«الأميرة ذات الهمة»، ثم انتقلت إلى الأدب العربي والغربي في مراحل دراسية مختلفة. أما الكتابة، فكانت البداية مفاجئة عام 1992 بمقال بعنوان «الشاعرية المفقودة في نادي الطائف الأدبي»، الذي نشرته جريدة «الرياض» وفتح لي أبواباً واسعة في الصحافة الثقافية.
أي القضايا تشغلك أكثر في مقالاتك؟
في السابق، تنوعت كتاباتي بين الشأن الاجتماعي والتعليمي، لكن الكتابة الثقافية هي التي لازمتني، خاصة في صفحات «الوطن» و«الحياة» بين عامي 2002 و2017.
هل ترى نفسك كاتباً ثقافياً أم ناقداً؟
أعمل على النصوص الشعرية والروائية بوصفها نقداً، لكن الكتابة الثقافية أوسع نطاقاً، فهي تتناول الأفكار والأنساق الثقافية. المثقف الحقيقي هو من يجمع بين النقد والكتابة الثقافية بجدارة.
هل استطاعت المقالة الصحفية تأدية وظيفة النقد الحقيقي؟
حتى عام 2010، كانت الصحافة تحتضن النقد بوضوح، مثل ملحق «ثقافة الخميس» في «الرياض» وملحق «أصوات» في «اليمامة». المقالة الصحفية تسمح للقارئ بمعرفة الأدب والنقد معاً، لكنها اليوم تواجه أزمة بسبب انشغال النقاد بتلميع أسمائهم.
ما المشكلة الجوهرية في المشهد الأدبي السعودي؟
أزمة الإبداع تكمن في ضيق زاوية رؤية الكتّاب، فمعظمهم يدور في أفق حسّي ضيّق، بعيداً عن التساؤلات الوجودية العميقة. رواياتنا لم تتجاوز مرحلة الحداثة المتأخرة، متخلفة عن الرواية الغربية بثلاثين عاماً.
كيف تؤثر العلاقات الشخصية في تقييم الأعمال الأدبية؟
العلاقات الشخصية والمجاملات من أهم أسباب تعطيل قيمة المنتج الثقافي. كثيرون يمتلكون ذكاءً اجتماعياً نفعياً يخدم مصالحهم.
هل يستطيع الناقد السعودي اليوم التعبير بحرية؟
إلى حد كبير، نعم.
كيف يمكن إعادة النقد إلى القارئ العادي؟
القارئ يحتاج إلى الوعي النقدي والمنهجية العلمية في التفكير. لكن النقاد اليوم مشغولون بتلميع أسمائهم بدلاً من خدمة القارئ. مثال على ذلك سجال حول الروائي أسامة المسلّم، لم يخرج منه القارئ بشيء يستفيد منه.
هل أسهمت وسائل التواصل في توسيع المجال الثقافي أم زادت الضجيج؟
حرّرت وسائل التواصل الثقافة من احتكار المنابر، لكنها أغرقتها بالضجيج، فافتقدت معايير التحقق النقدي، مما يعيق الحكم المنصف على القيم الثقافية.
كيف تنظر إلى ظاهرة «المثقف الرقمي»؟
عدد المتابعين قد يصبح معياراً للتأثير الثقافي، لكن التأثير غالباً ما يكون سلبياً، إذ يرتهن الوعي الثقافي للخطابات العاطفية بعيداً عن العلم والمعرفة.
هل انعكس الحراك الثقافي السعودي على جودة المنتج الأدبي؟
الحراك الحالي يفتقر إلى الموضوعية، فالكثير من الفعاليات تتكرر وتتسم بالبساطة. مبادرات مثل «الشريك الأدبي» و«جمعية الأدب» تفتقر إلى معايير واضحة، بل تقدم خدمات لا علاقة لها بجودة المنتج.
هل كثرة الفعاليات تعني وجود حركة ثقافية حقيقية؟
لا، فالحركة الثقافية الحقيقية تتطلب عمقاً وجودياً وتجديداً، وليس مجرد فعاليات متكررة.
هل تغيرت ذائقتك القرائية مع الزمن؟
بالتأكيد، فالتحولات جزء من الثقافة. بدأت مع نجيب محفوظ، ثم انتقلت إلى صنع الله إبراهيم، والآن أتابع الروائيين العرب والغربيين الجدد مثل طارق إيمان وإيتالو كالفينو.
تحليل ذكي:
يكشف فيصل الجهني في حواره عن أزمة حقيقية في المشهد الثقافي السعودي، تتمثل في انشغال النقاد بتلميع أسمائهم والدفاع عن ممتلكاتهم القديمة بدلاً من خدمة القارئ وتطوير الوعي النقدي. كما ينتقد ضيق زاوية رؤية الكتّاب، مما يؤدي إلى إنتاج أدبي سطحي لا يتفاعل مع السياقات الثقافية الأوسع. ويشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي، رغم تحريرها الثقافة من الاحتكار، قد أغرقتها بالضجيج، مما يعيق الحكم النقدي السليم. كما يسلط الضوء على غياب الموضوعية في الحراك الثقافي الحالي، الذي يفتقر إلى معايير واضحة ويكرس البساطة والتكرار بدلاً من التجديد والعمق.
ملخص الخبر:
- الناقد فيصل الجهني بدأ مسيرته الكتابية عام 1992 بمقال بعنوان «الشاعرية المفقودة في نادي الطائف الأدبي» نشرته «الرياض»
- ينتقد الجهني انشغال النقاد بتلميع أسمائهم والدفاع عن ممتلكاتهم القديمة بدلاً من خدمة القارئ
- يرى أن أزمة الإبداع تكمن في ضيق زاوية رؤية الكتّاب، مما يؤدي إلى إنتاج أدبي سطحي لا يتفاعل مع السياقات الثقافية الأوسع
- وسائل التواصل الاجتماعي حررت الثقافة من الاحتكار لكنها أغرقتها بالضجيج، مما يعيق الحكم النقدي السليم
- ينتقد الحراك الثقافي السعودي الحالي لافتقاره إلى الموضوعية والعمق، واكتفائه بالبساطة والتكرار بدلاً من التجديد
التعليقات (0)
أضف تعليقك