عاجل

الشغف والزمن رحلة الذات عبر الدهور

الشغف ليس نقيض الفتور، بل وجهان لرحلة الذات عبر الزمن

صورة تعبيرية عن الشغف والزمن وكيف تتغير الذات عبر الدهور

كم من فكرةٍ كانت تستحق السهر، فإذا بها لا تستحق دقيقة من انتباه. وكم من حلمٍ بدا مستحيلًا، فإذا به يصبح واقعًا عاديًّا لا يثير الدهشة. وكم من كتابٍ غيّر حياتنا يومًا، فإذا بنا نعود إليه بعد أعوام لنجد أنفسنا قد تغيرنا، والكتاب ذاته لم يتغير.

الشغف والزمن.. علاقة متجددة

إن الزمن ليس مجرد وحدات تقيسها الساعة، وإنما هو كيفية تتشكل بها الذات. فالدقائق متساوية على ساطرة الساعة، لكنها ليست متساوية في الروح. فقد تختصر لحظةٌ واحدة عمرًا كاملًا، وقد تمضي سنوات طويلة دون أن تُضيف إلى الإنسان سوى المزيد من الرتابة.

زمن الذات المتعددة

يبدو لنا أنّ الزمن في ظاهره مُتَّجهٌ من الماضي إلى المستقبل، غير أنّ الإنسان لا يعيشه بهذه البساطة. فما نُسمِّيه “أمسًا” لا يُغادرنا حين ينقضي، وما نُسمِّيه “غدًا” يبدأ في التشكّل داخلنا قبل أن يصل. ولهذا لا يعيش الإنسان لحظةً واحدة، بل يرحل في أزمنةٍ مُتراكبة تتجاور في وعيه، وتتداخل في أحكامه، وتُعيدُ تشكيلَ ذاتِه كلّما ظن أنه استقر في صورته النهائية.

اقرأ أيضاً:
صفقة الظل.. فرنسا تفرج عن جاسوس مقابل رفع عقوبات عن ملياردير روسي

الشغف.. علاقة متغيرة

إنّنا لا نفقدُ شغفَنا بالأشياء لأنها فقدت بريقَها، وإنّما لأننا لم نعد الأشخاص الذين كنا عليهم حين أحببناها لأول مرة. لقد اكتشفتُ أخيرًا أنّ الشغفَ ليس سوى علاقةٍ بين الشيء ونسخة معينة من الإنسان، وما إن تتغيَّر تلك النسخة حتى يُعادَ تعريفُ العلاقةِ كلِّها؛ لذلك ليس غريبًا أن ينطفئ الشغف.

أزمنة لا تموت بل تتراكم

وفي داخل كلِّ واحدٍ منا يعيشُ الطفلُ الذي كان يندهشُ من أبسطِ الأشياء، والشابُ الذي كان يُؤمنُ بأنّ العالَمَ دوامةٌ من الحماس، والكهل الذي بدأ يزن الأشياء بميزان الحكمة. إنها أزمنة لا تموت ولكن تتراكب، غير أنّ أحدها يُهيمن في مرحلة ما، فيُعيدَ ترتيبَ سُلَّم القيم والأولويات ليمنحَ الأشياء معانيَ جديدة.

الإنسان غريب عن نفسه أحيانًا

فهو يقرأ رسائله القديمة فيضحك، وما ذاك استخفافًا بمشاعره السابقة، بل لأنه أيقن أن كاتب تلك الرسائل لم يعد موجودًا إلا بوصفه طبقة من الذاكرة. وما ذاك لأن الزمن سلبه القدرة على الحساسية والشعور، بل لأنه أعاد توزيعها على خرائطه الجديدة.

لا تفوتك هذه القصة:
أزمة برلماني مصري بملف شيكات بلا رصيد وأربع فيلات باسم قاصر

النوافذ تتغير والمشاهد تتغير

وكأنّ الشغف لا ينطفئ بسبب استهلاكه، وإنما لأنه عاد إلى زمن وجودي لم يعد قائمًا. فالإنسان الذي أحب فكرةً قبل عشرين عامًا لم يكن يمتلك المعرفة نفسها، ولا الخيبات نفسها، ولا الحكمة نفسها. لقد كان يعيش العالم من نافذة أخرى. وحين تبدّلت النوافذ تبدلت معها المشاهد.

الذات سردية مفتوحة

إن أخطر الأوهام التي ننزلق إليها عندما نتصور الذات شيئًا ثابتًا، بينما هي في حقيقتها سرديةٌ مفتوحة. فالإنسان يروي نفسه باستمرار، ويعيد كتابة قصته مع كل تجربة. ولهذا قد ننظر إلى شغفنا القديم بشيء من الحنين، لكن الحنين لا يعني الرغبة في العودة إليه. إننا نشتاق إلى النسخة التي كنا عليها أكثر مما نشتاق إلى الشيء نفسه.

الفتور علامة انتقال

ولعل الفتور في هذا المعنى لا يغدو عيبًا أخلاقيًا ولا ضعفًا في الإرادة، بل علامة على انتقال الذات من أفق إلى آخر. فكلُّ مرحلة من العمر تُعيد تعريف ما يستحق الاهتمام وما يستحق الإحجام. فكم يُدهشني ذلك الطفل يفتر عن ألعابه حين يكتشف عالمًا أوسع، والباحث يفتر عن أجوبة كان يعدُّها يقينًا حين تنفتح أمامه أسئلة أعمق.

الفتور ابن الاعتياد أحيانًا

غير أنّ الفتور لا ينطبق عليه أنّه دائمًا ابنُ النضج؛ فقد يكون أيضًا ابن الاعتياد. فالرتابة قادرة على تجريد الأشياء من دهشتها، وهنا لا يكون الزمن قد عمّق الذات، بل غطّاها بطبقة كثيفة من الألفة، حتى لتكاد ترى العالم كله كما لو كان نسخة واحدة تتكرر بلا نهاية.

استعادة الشغف.. معنى جديد

ولذلك فإن استعادة الشغف لا تعني بالضرورة العودة إلى الماضي؛ فالماضي لا يعود حتمًا، والإنسان الذي كان عليه لن يعود معه. إنّها تعني اكتشاف معنى جديد يليق بالإنسان الجديد. فكما أنّ النهر لا يستعيد مياهه، فكذلك هو جريان تجربتك لن يتكرر. والشغف الحقيقي يُشبه هذا النهر.. يتغيّر مجراه وتتبدَّل ضفافه، لكنَّه يظلُّ محتفظًا بسرِّ المعنى في داخله.

الزمن يُحرِّرنا من وهم الثبات

وربما لهذا السبب لا يُخيف الشَّغوفَ مرورُ الزمن مثلما يُخيفه جمودُ المعنى. إنه لا يخشى أن يشيب شعرُه، بل أن تشيب دهشته. فالإنسان لا يهرم حين تتثاقل خطواته، وإنما يهرم حين يتوقَّف عن ملاحقة الأفق.

رحلة الأزمنة.. ولادة شغف جديد

إنّ أجمل ما يمنحه لنا الزمن أنه يُحرِّرنا من وهم الثبات. فنحن لسنا مطالبين بأن نظلَّ أوفياء للشغف نفسه، بل أن نظلَّ أوفياء لقدرتنا على الشغف. فالفرق كبير بين من يتمسَّك بموضوع قديم خوفًا من التغيير، ومن يسمح للحياة أن تكشف له آفاقًا جديدة.

وهكذا فهمتُ أخيرًا أنّ الشغف ليس نقيض الفتور، وليس الفتورُ نهاية الشغف. فكلاهما وجهان لرحلة الذات عبر الزمن.

تحليل ذكي:

يتناول المقال العلاقة بين الشغف والزمن من منظور فلسفي، مؤكدًا أن الشغف ليس ثابتًا بل متغيرًا بتغير الذات عبر مراحل العمر. يبرز المقال أن الفتور ليس ضعفًا أو نهاية للشغف، بل قد يكون علامة على انتقال الذات إلى أفق جديد، أو قد يكون نتيجة الاعتياد الذي يغطي الأشياء بطبقة من الألفة. كما يوضح أن استعادة الشغف لا تعني العودة إلى الماضي، بل اكتشاف معانٍ جديدة تتناسب مع الإنسان الجديد. في النهاية، يُظهر المقال أن الزمن يُحرِّر الإنسان من وهم الثبات، ويجعله قادرًا على الشغف من جديد، وليس بالضرورة بنفس الأشياء.

ملخص الخبر:

  • الشغف علاقة متغيرة تتغير بتغير الذات عبر الزمن
  • الفتور قد يكون علامة على انتقال الذات إلى مرحلة جديدة أو نتيجة الاعتياد
  • استعادة الشغف تعني اكتشاف معانٍ جديدة تتناسب مع الإنسان الجديد
  • الزمن يُحرِّر الإنسان من وهم الثبات ويجعله قادرًا على الشغف من جديد
  • الشغف والفتور وجهان لرحلة الذات عبر الدهور

التعليقات (0)

أضف تعليقك