اتهامات تطارد مقدّمات الكتب الأدبية.. من كاتب الظل إلى الأبوة الزائفة
اتهامات متكررة تطارد مقدّمات الكتب الأدبية، فهل هي خدمة ثقافية أم جريمة أدبية؟
لازمت أصابع الاتهام العديد من الأعمال الأدبية بسبب مقدّمات كتبها رموز ثقافية، فهل تتحوّل المقدّمة إلى جريمة أدبية أم تبقى خدمة ثقافية مشروعة؟
مقدّمات الكتب.. بين التبرئة والإدانة
لازمت الاتهامات العديد من الأعمال الأدبية بسبب مقدّمات كتبها أحد رموز الثقافة، فاستعاد النقاد والقرّاء جدلاً old حول علاقة الشاعر الراحل سعدي يوسف برواية «ذاكرة الجسد» لأحلام مستغانمي، كما استعاد مغردون الجدل حول رواية «بنات الرياض» بعد ثناء الدكتور غازي القصيبي على كاتبتها. ولم تتوقف عجلة الاتهامات عند هذا الحد، إذ وصف الكاتب سيد محمود بـ«كاتب الظل» بعد أن كتب مقدّمة كتاب وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي «كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين»، الذي نقل فيه عن كتاب سهير عبدالحميد «سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية».
أدوار المقدّمات.. بين المجاملة والنقد
يرى الشاعر موسى حوامدة أن مقدّمات الكتب تختلف، فمنها ما هو كتابة مجاملة، ومنها ما هو ضروري للترجمات أو كتب الأدب والسير الصهيونية، كما كان يفعل المترجم الراحل غازي السعدي في ترجماته لمذكرات قادة الحركة الصهيونية. وأشار إلى أن بعض المقدّمات مليئة بالنفاق والكذب، لافتاً إلى شيوع ظاهرة كتابة المجاملات.
أما الشاعر نمر سعدي فيعدّ المقدّمة البوابة الذهبية للنص، مؤكداً أن كتابة مقدّمة لعمل أدبي لا تعني بالضرورة أن لكاتبها دوراً مباشراً في تأليفه أو صياغته. واستشهد بكتابات الدكتور طه حسين والكاتب عباس محمود العقاد، اللذين كتبا عشرات المقدّمات لأعمال أدبية أخرى، معتبراً أن دور مقدّم الكتاب هو دور نقدي وتحليلي، يسلط الضوء على جماليات العمل ورسائله الخفية.
المقدّمة.. شهادة تزكية أم وصاية أدبية؟
أضاف سعدي أن المقدّمة قد تكون شهادة تزكية ودعماً معنوياً، إذ يطلب الكتّاب الشباب من أدباء ونقّاد معروفين كتابة مقدّمات لأعمالهم الأولى كنوع من التزكية الأدبية أو الوصاية الشعرية. وذكر مثالاً على ذلك تقديم أمير الشعراء أحمد شوقي لديوان أمين نخلة «دفتر الغزل»، حيث أشاد بمكانته الشعرية رغم صغر سنّه.
وأوضح أن المقدّمات تلقي ضوءاً على جوهر الكتاب، وتختبر ذائقة القارئ، وتحفّزه على استقبال العمل، ما يمنحه مصداقية وجاذبية أكبر. كما أن إضاءة السياق تأتي في صميم التقديم، إذ يركّز كاتب المقدّمة على شرح الظروف التاريخية أو السياسية أو الشخصية التي وُلد فيها العمل الأدبي.
المقدّمات.. مفتاح سحري أم شهادة زور؟
عبّر الكاتب عبود الجابري عن تحفظه على ظاهرة الأبوة الزائفة، متمثلة في ادعاء بعض الأشخاص ملكية أعمال لم ينجزوها، مستندين إلى أدوار مثل تحرير كتاب أو تقديم ملاحظات يعتمدها المؤلف. وأشار إلى أن هذه الظاهرة قد تزداد عندما تكون الكاتبة مستجدة تلجأ إلى كاتب مشهور، ثم يدّعي الأبوة الزائفة عند تأزم العلاقة بينهما.
وأضاف أن أسباب الظاهرة تشمل الرغبة في حصاد ثمار نجاح العمل، والحاجة لتعظيم الذات، ومحاولة تحسين الصورة الذاتية. وأكد أن هذه الأدوار لا تؤهل الشخص لاكتساب صفة المؤلف، لافتاً إلى أن عدم وضوح حدود التعاون يسهم في تفاقم المشكلة.
من يقرأ المقدّمة قبل الكتاب؟
الروائي علي عطا كشف عن انطباعه عمّن يكتبون مقدّمات لكتب لم يقرأوها، موضحاً أن ذلك يمكن معرفته بمقارنة المقدّمة بمتن الكتاب واكتشاف ضعف صلتها به. واعتبر ما أُثير حول سعدي يوسف ونزار قباني من قبيل الشائعات، مؤكداً أن سعاد الصباح لم تقل إن نزار كتب لها، وأن أحلام مستغانمي لم تصرّح بأن سعدي يوسف كتب لها.
وقال: «لا أستسيغ أن أطلب من أحد أن يكتب مقدّمة لكتابي، ويمكن للكاتب أن يكتب مقدّمة كتابه بنفسه».
لا علاقة نسب بين النص ومؤلفه
الباحثة أمل صارم نفت وجود أي تداخل بين عمل الكاتب الإبداعي وعمل مقدّم العمل، مؤكدة أن مقدّم العمل يأتي بعد إفراغ المبدع أفكاره وجمع مادته، وأن دوره يقتصر على بناء المقدّمة بناءً على العمل وكاتبه. وأشارت إلى أن المقدّمة قد تكون نقداً أو توصيفاً أو وضعاً للعمل ضمن مساره الأدبي، لكنها لا تشكل أي علاقة نسب بين النص ومؤلفه.
تحليل ذكي:
تثير قضية مقدّمات الكتب الأدبية جدلاً واسعاً بين التأكيد على أهميتها الثقافية ودورها في تسليط الضوء على الأعمال، وبين الاتهامات التي تطالها بوصفها وسيلة للمجاملة أو حتى الاحتيال الأدبي. فبينما يرى بعض النقاد أن المقدّمات ضرورية لفهم الأعمال الأدبية ودعمها، يحذّر آخرون من ظاهرة «كاتب الظل» والأبوة الزائفة، التي تتحوّل فيها المقدّمات إلى وسيلة لتعظيم الذات أو تحقيق مكاسب شخصية. وتكشف هذه القضية عن حاجة ماسة إلى وضوح الحدود بين الأدوار الأدبية المختلفة، وضمان نزاهة العملية الإبداعية.
ملخص الخبر:
- اتهامات متكررة تطارد مقدّمات الكتب الأدبية بسبب كتابتها رموز ثقافية، مثل علاقة سعدي يوسف برواية «ذاكرة الجسد» وأثر غازي القصيبي على رواية «بنات الرياض».
- وصف الكاتب سيد محمود بـ«كاتب الظل» بعد كتابة مقدّمة كتاب وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي.
- آراء متباينة حول دور المقدّمات: من المجاملة إلى النقد التحليلي، ومن التزكية الأدبية إلى الوصاية الشعرية.
- تحذيرات من ظاهرة الأبوة الزائفة، حيث يدّعي بعض الأشخاص ملكية أعمال لم ينجزوها.
- تأكيد بعض الكتّاب أن المقدّمات لا تشكل أي علاقة نسب بين النص ومؤلفه.
التعليقات (0)
أضف تعليقك