صموئيل باريت مايلز.. المستشرق الذي وثق عُمان في كتب لم يكتبها سواه
إسهامات المستشرق البريطاني صموئيل باريت مايلز في توثيق عُمان عبر مؤلفاته التي تعد مرجعاً تاريخياً لا غنى عنه
يعد صموئيل باريت مايلز (1838-1914) واحداً من أبرز المستشرقين الأوروبيين الذين اهتموا بدراسة عُمان، حيث أمضى تسع سنوات من حياته المهنية فيها كوكيل سياسي وقنصل بريطاني، مخلفاً وراءه مؤلفات غنية وثقت جغرافيتها، قبائلها، اقتصادها، وتقاليد شعبها في أواخر القرن التاسع عشر
تركز اهتمام الرحالة والمستشرقين الأوروبيين على دراسة أحوال الجزيرة العربية، ولا سيما ساحلها الشرقي المطل على الخليج العربي، حيث كانت عُمان في بؤرة اهتماماتهم. وقد تباينت الدوافع وراء هذه الرحلات بين السياسية والاقتصادية والدينية والثقافية، إذ حمل بعضها غطاءً علمياً أو استكشافياً، بينما استند بعضها الآخر إلى أهداف تبشيرية أو استخباراتية أو استعمارية. وقد أكد الدكتور إبراهيم البوسعيدي، الأستاذ المساعد بقسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس، في جلسة حوارية بعنوان «عُمان في كتابات الرحالة الأوروبيين» أن الموقع الإستراتيجي لعُمان على مفترق طرق التجارة بين الهند والخليج وشرق أفريقيا كان سبباً رئيساً لهذا الاهتمام
من بين الرحالة الأوروبيين الذين زاروا عُمان في القرن السابع عشر، برز اسم «جون فراير» الذي زار مسقط عام 1677، وترك انطباعات سلبية ناقدة، و«جون أوفنجتون» الذي زار عُمان سنة 1693، وكتب عن تسامح أهلها قائلاً: «إن هؤلاء العمانيين على قدر كبير من دماثة الخلق، ويظهرون لطفاً وكرماً مع الغرباء، فلا يحتقرونهم ولا يلحقون بهم أذى، فالمرء يقطع في عُمان مئات الأميال دون أن يتعرض للغة نابية أو لأي سلوك فج»
ولد صموئيل باريت مايلز في الثاني من أكتوبر 1838، وتلقى تعليمه في مدرسة هارو الداخلية في لندن. انضم إلى جيش الهند البريطاني عام 1857، وترقى سريعاً ليصبح مسؤولاً عن تموين فوج المشاة السابع. انتقل إلى عدن عام 1866، ثم عُين حاكماً لمعسكرها ومساعداً للمقيم السياسي فيها. في عام 1869، تحول إلى الخدمة السياسية، وعمل في بلوشستان، ثم عُين وكيلاً سياسياً وقنصلاً لبريطانيا في مسقط عام 1872. تولى مناصب دبلوماسية عدة في مناطق مختلفة من شبه الجزيرة العربية، قبل أن يتقاعد عام 1893 ويعود إلى إنجلترا، حيث بدأ كتابة بحوثه التي نشرتها الجمعية الملكية الجغرافية. توفي في 28 أغسطس 1914، تاركاً خلفه مؤلفات غنية عن عُمان
وصل مايلز إلى عُمان في وقت حرج من عهد السلطان تركي بن سعيد، حيث كان يواجه ثورة دينية بقيادة الإمام عزان بن قيس. بعد استتباب الأوضاع، قام مايلز برحلات استكشافية من مسقط إلى المناطق الداخلية، زار خلالها البريمي وصحار ونخل وسمائل والجبل الأخضر والظاهرة وظفار وصور وطيوي وقلهات وغيرها. ساهمت هذه الرحلات في منحه فرصة الاطلاع الواسع على شؤون عُمان، فوصف جغرافيتها، قبائلها، اقتصادها، وتقاليد شعبها، إضافة إلى نظام الأفلاج، والملابس، والحلي، ووسائل النقل والتعليم
انتقد الدكتور ناصر سيف السعدي، أستاذ مساعد كرسي اليونيسكو لدراسات الأفلاج بجامعة نزوى، كتابات مايلز حول عُمان، قائلاً إنها كشفت عن رؤية استشراقية مشحونة بصور مشوهة. فقد أنكر مايلز على العمانيين مساهماتهم الحضارية، ونسبها إلى الحضارة الفارسية، كما وصفه السعدي بأنه «ممثل قوة استعمارية مخادعة» بسبب تركيزه على الجوانب المادية دون الإنسانية. ورغم ذلك، فقد قدم مايلز مادة مهمة حول جغرافية وثقافة عُمان، لا سيما في مجالات العمران والطرق والقلاع والأفلاج
من بين مؤلفاته العشرة، destac «دول وقبائل الخليج الفارسي» (1919)، «نبذة مختصرة عن تاريخ وجغرافيا الجزيرة العربية» (1873)، «على الطريق بين صحار والبريمي في عُمان» (1877)، «رحلة في عُمان» (1896)، «عبر الجبل الأخضر في عُمان» (1901)، «عقائد المذهب الأباضي»، «الخطوط العريضة لتاريخ عُمان ما بين 1728 - 1883»، «ملاحظة على قبائل عُمان»، و«ملاحظة على مذهب أباضية عُمان». تناولت هذه المؤلفات جوانب متنوعة من حياة عُمان، بما في ذلك الأعراق، والتقسيمات القبلية، والحروب القبلية، والنظم الإدارية والضريبية
أشار مايلز إلى الصراعات القبلية في عُمان، قائلاً: «إن الحرب الأهلية التي انتهت بانتخاب ناصر بن مرشد إماماً عام 1624 قسمت البلاد إلى فئتين متنافستين: الهناوية والغافرية». كما وصف الصراعات بأنها أقرب إلى المناوشات، حيث يبدأ المقاتلون بإطلاق النار من خلف الخندق، تليها مناوشات شفهية، قبل أن يلتقوا باستخدام السيوف العمانية ذات الحدين. ورغم ذلك، أكد مايلز على قدرة العمانيين على التوحد في مواجهة الأخطار الخارجية، ووصفهم بأنهم شعب أبي أصيل، قنوع في عاداته
تحليل ذكي:
تظهر كتابات صموئيل باريت مايلز جوانب متعددة من اهتمام الغرب بعُمان، حيث جمع بين الدور الدبلوماسي والبحث العلمي. ورغم الانتقادات الموجهة إليه بخصوص رؤيته الاستشراقية المشوهة لبعض جوانب المجتمع العماني، إلا أن مؤلفاته تعد مرجعاً تاريخياً غنياً، لا سيما في مجالات الجغرافيا، الاقتصاد، والتقاليد. كما كشفت كتاباته عن جوانب لم يتطرق إليها غيره من الرحالة والمستشرقين، مثل دراسة الأعراق والتقسيمات القبلية، مما يضيف قيمة علمية لأعماله
ملخص الخبر:
- صموئيل باريت مايلز (1838-1914) مستشرق بريطاني قضى تسع سنوات في عُمان كوكيل سياسي وقنصل
- اهتم بدراسة جغرافيا عُمان، قبائلها، اقتصادها، وتقاليد شعبها، إضافة إلى نظام الأفلاج والملابس والحلي
- ترك مؤلفات غنية تعد مرجعاً تاريخياً، منها «دول وقبائل الخليج الفارسي» و«رحلة في عُمان»
- تعرضت كتاباته لانتقادات بخصوص رؤيته الاستشراقية، إلا أنها قدمت مادة علمية قيمة لم يسبقها إليها غيره
- وصف الصراعات القبلية في عُمان بأنها مناوشات، لكنه أكد على قدرة العمانيين على التوحد في مواجهة الأخطار الخارجية
التعليقات (0)
أضف تعليقك